الجزء السابع والعشرون: من أعلن المواجهة أولًا؟

الفصل المئتان وخمسة وعشرون: حين سبقت السلطة إلى الاسم

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل المئتان وخمسة وعشرون: حين سبقت السلطة إلى الاسم

لم يطل الأمر بعد خطاب عبدالملك حتى فعلت السلطة ما كان سعيد يتوقعه منذ زمن:
لقد قررت أن تُخرج ما في صدرها إلى الورق، ثم من الورق إلى الشارع.

جاء القرار أولًا بعبارةٍ باردة، جافة، تكاد تبدو في عين الغافلين تنظيمًا إداريًا لا أكثر:
منع التجمعات غير المرخّصة، وتشديد الرقابة على مجالس الوعظ، ومراجعة سجلات الأوقاف، وتقييد الحركة بين القرى إلا بإذنٍ معلوم.

لكن الذين يعرفون لغة الدول المرتعشة، يعرفون أن هذه العبارات هي الوجه المهذب للخوف حين يلبس ثياب القانون.
وأن “التجمعات غير المرخصة” لا تعني في هذه الساعة إلا المجالس التي بدأ فيها اسم عبدالملك يخرج من الهمس.
وأن “مراجعة الأوقاف” لا تعني إلا الضغط على أعصاب البيت من باب الخبز والعطاء.
وأن “تقييد الحركة” لا يراد به إلا أن تُعزل القرى بعضها عن بعض حتى لا تتشكل من محبتها قوة.

وصل القرار إلى البوسنة كما تصل رائحة المطر قبل نزوله.
قرأه الناس في الأسطر، لكنهم فهموه في القلوب.

قال بعض الرجال في السوق:
— لقد بدأوا.
وقال بعض الشيوخ في القرى:
— لم يعودوا يخفون خوفهم.
وقالت بعض النساء في بيوت الأوقاف:
— يريدون أن يعود الجوع وحده إلى الأبواب.

أما في بيت صفية وسعيد، فقد دخل الخبر لا على هيئة مفاجأة، بل على هيئة تثبيتٍ لما كانوا يعرفونه.

جلس سعيد بالورقة بين يديه، وتأملها طويلًا، ثم وضعها على الطاولة كمن يضع أمامه خصمًا قد خرج أخيرًا من وراء الستار.
كان عبدالملك قريبًا، وعبدالله إلى طرفٍ آخر، ومحمد في موضع يسمع، ومريم وخديجة في الداخل مع صفية يلتقطن ما يخرج من وجوه الرجال أكثر مما يلتقطنه من الألفاظ نفسها.

قال سعيد:
— هذه أول مرة يقولون لنا بوضوح: نراكم.
فقال عبدالله:
— ومعناها أنهم لم يعودوا يكتفون بالمراقبة.
وأضاف محمد، وقد صار كلامه يخرج أثقل مما خرج في سنوات صباه:
— ومعناها أيضًا أنهم يريدون أن يضعوا الناس في خوفين:
خوفٍ من الدولة،
وخوفٍ من أن الوقوف معنا قد يصير جريمة مكتوبة.

نظر سعيد إليه، وقال:
— نعم.
ومن هنا تبدأ المعركة على شرعية الخوف.
إن قبل الناس أن يكون خوفهم هو الحاكم، انتهى كل ما بنيناه قبل أن يدخل الامتحان الكبير.

أما عبدالملك، فقد كان يقرأ القرار بعينين مشتعلتين.
لم يكن في الكلام اسمُه صريحًا، لكن حضوره كان في كل سطر.
وشعر لحظتها أن المواجهة التي كانت تسير نحوه من بعيد قد صارت الآن تمشي على قدميها في الطرق.

دخلت صفية بعد قليل، وقد عرفت من الوجوه أن الورق لم يعد ورقًا عابرًا.
أخذت القرار، وقرأته بهدوئها المعروف.
ثم قالت:

— لم يبدؤوا بالدم، بل بدأوا بالخوف المنظَّم.
وهذا أخطر في البدايات.
لأن الدم يوقظ الناس أحيانًا،
أما الخوف المكتوب، فيجعل بعضهم يعتذر لجبنه باسم الطاعة.

نظر إليها سعيد طويلًا، ثم قال:
— ولهذا، لا بد أن يكون ردنا من جنس ما يفهمه الناس:
أن نمنع الخوف من أن يصير قانونًا في قلوبهم قبل أن يصير قانونًا على الورق.

وقال لعبدالملك:
— لا تتحرك الليلة إلى الناس خطابًا ولا تهديدًا.
أريد منك أن تبدأ بالوجوه أولًا:
شيوخ القرى،
التجار،
العلماء،
والنساء عبر أمك.
إن ثبتت الوجوه، لم تقدر الورقة أن تكسر القلوب.

وهكذا بدأ الرد، لا بخطبة،
بل بإعادة شدّ الجذور.