الجزء السابع والعشرون: امتحانُ الاسم

الفصل المئتان واثنان وعشرون: أول خطابٍ في الناس

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل المئتان واثنان وعشرون: أول خطابٍ في الناس

بعد الاستدعاء، وبعد وقوف عبدالملك في وجه محاولة إذلاله، وبعد أن شاع الخبر في القرى والبلدات، رأى بعض أهل الرأي أن الوقت قد حان لأول خطابٍ شبه معلن يخرج فيه عبدالملك إلى الناس لا في مجلس نزاع، ولا في حادثة جسر أو مخزن، بل في موضعٍ يقصدهم فيه بالقصد.

لم يكن هذا إعلانًا للمُلك،
لكنه لم يعد مجرد تفاعلٍ مع الأحداث أيضًا.
كان خطوةً بين الأمرين.

اختير موضعٌ واسع عند أطراف البوسنة، يجتمع فيه الناس لأمرٍ ديني أو اجتماعي كبير، أو بعد صلاة جامعة، أو عند مناسبة يليق بها الكلام من غير أن يبدو الأمر تحديًا مباشرًا للسلطة.

اجتمع الناس.

وكان الخبر قد سبقهم:
“سيتكلم عبدالملك.”

هذا وحده كان جديدًا.

وقف.

ولم يكن في موقفه شيءٌ من زهو الشاب الذي أحبته القلوب.
بل كان أقرب إلى من يقف وفي قلبه حملٌ يعرف أنه لا يريد أن يخونه اللسان فيه.

قال:

— أيها الناس…
ما جمعناكم اليوم لنعدكم بما لا نملك،
ولا لنهيج فيكم ما لا نحسن أن نقوده،
ولا لنقول لكم إن الطريق سهل.
بل جمعناكم لشيءٍ واحد:
أن تعرفوا أن الحق إذا بدأ يخرج من بيوتكم، فلا تخافوا من رؤيته قائمًا بينكم.

ثم سكت قليلًا، وترك للكلمات أن تنزل.

وأكمل:
— لقد عرفتم هذا البيت في الخبز،
وفي الطريق،
وفي الصلح،
وفي الستر،
وفي العلم،
وفي النساء،
وفي أيتامكم وأراملكم ومرضاكم.
وما عرفتمونا يومًا طلاب صورة،
ولا طلاب أسماء،
ولا جباة مودّة.
فإن كان بقي في قلوبكم لنا شيء،
فاجعلوه لله والعدل لا للأشخاص.
وإن رأيتم أن لهذه البلاد يومًا يقترب تحتاج فيه إلى رجلٍ يحملها،
فلا تحملوه على أعناقكم فقط…
بل احملوا معه ثمن الطريق:
الصبر،
والصدق،
وترك الفوضى،
ومحاسبة النفس،
والثبات إذا خاف من حولكم.

كان الكلام أبعد من الحماسة.
لم يَعِدْهم بفتحٍ قريب،
ولم يهاجم السلطة باسمٍ صريح،
ولم يطلب بيعةً علنية،
لكنه فعل شيئًا أخطر:

أعطى الناس لغةً يرون بها أنفسهم جزءًا من المشروع، لا مجرد متفرجين عليه.

وحين انتهى، لم يضجّ الناس صياحًا كما يفعلون في المهازل السياسية،
بل خرج كثيرون منهم وفي عيونهم شيءٌ من الدمع الثقيل،
لأنهم شعروا أنهم لا يُستدعون ليكونوا جمهورًا، بل شركاء في ثمن العدل.

ومنذ ذلك اليوم، لم يعد اسم عبدالملك فقط اسم الرجل الذي قد يحكم،
بل صار اسم الرجل الذي بدأ يخاطب الأمة الصغيرة التي تتشكل حوله.