الفصل المئتان وسبعة عشر: مجلسُ الإهانة المقصودة
لم يكن المجلس كبيرًا في مساحته، لكنه كان كبيرًا في قصده.
جلس فيه رجلٌ من كبار عمال السلطة، مشهورٌ بالدهاء أكثر من الشهامة، وإلى جانبه كاتب، واثنان أو ثلاثة من رجاله، وبعض الوجوه التي اعتادت أن تتغذى على قربها من أهل السلطة.
وفي طرف المجلس كرسي أو موضعٌ أُعدّ لعبدالملك، لكنه لم يكن موضع تكريم، بل موضع تحديد:
لا هو مع الجالسين في الصدارة،
ولا هو مع الواقفين على الباب،
بل في منزلةٍ يراد منها أن يُفهم:
“أنت هنا تحت نظرنا، لا بيننا.”
رأى عبدالملك ذلك، وفهم.
ولم يطلب تغيير الموضع، لأن طلبه في تلك اللحظة كان سيخدمهم.
فجلس حيث أرادوا له أن يجلس، لكنّه جلس جلوس من لا ينكسر بالموضع، بل يملؤه بوقاره.
بدأ الرجل الكبير الكلام من غير سلامٍ كثير، ولا تمهيدٍ كريم.
قال:
— بلغنا عنك أشياء كثيرة.
وأظن أنك تعلم لماذا أنت هنا.
أجاب عبدالملك بهدوء:
— أعلم أنني استدعيت.
أما لماذا، فأحب أن أسمعه منك.
لم تعجب العبارة الرجل.
فهي ليست وقحة، لكنها ليست مطأطئة كذلك.
قال:
— بلغنا أنك تتدخل في شؤونٍ لا تعنيك.
تحل نزاعات،
وتمنع إجراءات،
وتحرك رجالًا في القرى،
ويجتمع الناس عليك كأنك صاحب سلطة.
وهذا بابٌ لا نحب أن يتسع.
كان يريد أن يجعل الكلام من أول لحظة في صورة اتهامٍ سياسي مباشر، لا في صورة نظرٍ في الوقائع.
لكن عبدالملك لم يردّ بعصبية.
قال:
— إذا كان المقصود بالنزاعات ما يقع بين الناس، فقد دُعيت إليها من أهلها.
وإذا كان المقصود بالإجراءات ما يقطع قوت القرى أو يفسد طرقها، فقد منعت منها ما رأيته ظلمًا ظاهرًا.
أما اجتماع الناس، فاسألهم لماذا يجتمعون، لا تسألني لماذا جاؤوا.
لم يرفع صوته.
ولم يرمِ العبارة في وجه الرجل رميًا.
لكنه ردّ التهمة إلى أصلها من غير أن يدخله في فخّ الدفاع المذعور.
وهنا غيّر الرجل تكتيكه.
ابتسم ابتسامةً باردة، وقال:
— بلّغك الناس من الثقة بنفسك ما لم يبلغك سنّك.
أنت شابّ،
وابن بيتٍ له مالٌ وعلاقات،
فظننت أن البلاد تُدار كما تُدار بيوت الأوقاف والصدقات.
وهذا خطأ يقع فيه من لم يجرّب الحكم.
كان يقصد الإهانة المبطنة:
أن يُشعر عبدالملك أن كل ما حوله من حضورٍ ليس ناتجًا عن أهلية، بل عن فضل بيت أبيه وماله.
ولم يكن هذا طعنًا عارضًا.
بل كان الطعن الأدق الذي يمكن أن يوجَّه لرجلٍ في بداية ظهوره.
سكت عبدالملك لحظة.
وشعر بالنار تتحرك في صدره.
نارٌ يقول له بعضها:
“قل له: لو جرّبتَ أنت العدل ما لجأ الناس إليّ.”
ويقول له بعضها الآخر:
“ضعه في موضعه، فهو لا يستحق هذا الأدب.”
لكنه تذكّر وصية أبيه:
“بعض المجالس يُراد منك فيها أن تُخرج أسوأ ما في غضبك باسم الحق.”
فقال، بعد أن هذّب النار في صوته:
— نعم، أنا شاب.
ولذلك لا أدّعي ما ليس لي.
لكنني أرى ما يقع على الناس.
وأرى أيضًا أن البلاد لا يضرها أن يحمل الشاب بعض ما عجز عنه الكبار، إذا كان ذلك يردّ ظلمًا أو يمنع فتنة.
أما المال والعلاقات، فلو كانت تكفي وحدها، ما أحبّ الناس رجلًا لا يعدل.
ضاق وجه الرجل قليلًا.
ثم أشار إلى الكاتب، فقال:
— اقرأ.
قرأ الكاتب أوراقًا فيها “شكاوى”، و”تقارير”، و”ملاحظات” عن تحركات عبدالملك، واجتماعات القرى، وذكر اسمه في بعض الحوادث، وكأنه يريد أن يبني من تراكم الخير عند الناس صورةَ اتهامٍ سياسي.
وحين انتهى، قال الرجل:
— ما تقول؟
قال عبدالملك:
— أقول إن أكثر ما قرأته ليس جريمة، بل شهادة على ما صار بين الناس وبيننا من عهد.
فإن أردتم أن تجعلوا إطعام الجائع، وفتح الطريق، ومنع الظلم، وإصلاح النزاع، وتثبيت القرى، مواضع تهمة…
فهذا لا يفضحنا نحن.
كانت العبارة هذه المرة أقرب إلى السيف، لكنها لا تزال في غمد الأدب.
وهنا، انقلب الرجل من التلميح إلى التهديد:
— احذر يا عبدالملك.
فإن البلاد ليست فراغًا،
والسلطة لا تحب أن ترى فتيانًا يختبرون حدودها.
رفع عبدالملك عينيه إليه، وقال:
— وأنا لا أختبر حدود ظلمكم،
بل أختبر حدود صبري على أن أرى الناس يؤكلون وأنا قادر أن أفعل شيئًا.
وكانت هذه أخطر عبارة في المجلس كله.
لأنها خرجت على الحافة الدقيقة بين الوقار والتحدي.
وشعر بعض الجالسين أن الأمر قد ينفجر بعدها.
لكن الرجل، على قسوته، لم يكن جاهلًا.
لقد فهم أن تجاوز هذه اللحظة إلى اعتقالٍ مباشر أو إذلالٍ فجّ قد يحوّل الشاب في أعين الناس من رجاءٍ قادم إلى رمز مظلوم، وهذا أخطر عليهم من تركه.
فغيّر وجهه، وقال ببرود:
— انصرف الآن.
لكن اعلم أن البلاد ليست ملعبًا لشباب البيوت الكبيرة.
فإذا أردت أن تبقى في موضعك، فاعرف حدك.
نهض عبدالملك.
ولم ينحنِ،
ولم يردّ كلمة بكلمة،
ولم يخرج في غيظه ما كان يكفي لأن يجعل المجلس كله فخًا ناجحًا.
بل قال فقط:
— أعرف حدّي عند الله.
وأما عند الناس، فسأبقى حيث يضعني العدل لا حيث يضعني الخوف.
ثم خرج.
وكان وهو يخطو خارج المجلس يعرف أنه لم ينتصر في الصورة،
لكنه لم يُهزم في المعنى.
وهذا في مثل تلك الأيام كان أهم من كل شيء.