الفصل المئتان وخمسة عشر: الضربة التي أرادت عبدالملك شخصيًا
بعد كل هذا، كان لا بد أن تنتقل السلطة خطوة أخرى.
فقد ضربت المخازن،
وهمست في الناس،
وضغطت على الرجال،
لكن عبدالملك بقي يخرج أقوى، لا لأنهم عجزوا عن إيذائه، بل لأن كل ضربةٍ وجّهت إلى ما حوله كشفت الناس أكثر وأظهرته أكثر.
ولذلك، تقرر أن يُجربوا ضربه هو.
جاء الاستدعاء هذه المرة باسمه.
ليس إلى ساحة حرب،
ولا إلى مجلس ودٍّ كاذب،
بل إلى موضعٍ رسمي يُراد منه أمران معًا:
إهانته إن أمكن،
أو استفزازه إلى ما يضرّه إن لم يمكن.
حين وصل الخبر، ساد البيت كله صمتٌ خاص.
لم يكن الصمت صمت الخوف وحده، بل صمت من يعرف أن بعض الأيام تُحفر في التاريخ لأنها أول مرةٍ يُنادَى فيها الاسم ليُختبر وحده.
جلس سعيد مع عبدالملك وحدهما أولًا.
قال:
— هذه ليست دعوة، بل فخٌّ مكتوب.
رفع عبدالملك رأسه:
— أذهب؟
قال:
— نعم.
لكن لا تذهب على أنك ذاهب لتنتصر،
ولا على أنك ذاهب لتثبت شجاعتك.
اذهب على أنك تدخل امتحانًا يُراد منه أن يختبروا أين يمكن أن يُؤتى منك.
ثم أضاف:
— لا تغضب إذا أهانوك.
ولا تنتفخ إذا تظاهروا بإكرامك.
فكلتا الحالتين فخ.
احفظ قلبك، واحفظ لسانك، واحفظ أن لا تعطيهم ما يريدون من صورة الشابّ المتعجل.
ثم قال بعد لحظة صمت:
— وأريد منك شيئًا أشد من هذا كله.
— ما هو؟
— إذا رأيتني في صدرك أكثر من الله في تلك اللحظة، فاعلم أنك ستضعف.
أما إذا دخلت وأنت تعلم أنني خلفك، لكن الله فوق الجميع، ثبتّ.
خرج عبدالملك من عند أبيه، ثم دخل على أمه.
لم تكثر الكلام.
بل وقفت أمامه، ونظرت إلى وجهه، ثم مسحت بيدها على كتفه كما كانت تفعل وهو أصغر، لكن هذه المرة في رجلٍ يكاد يدخل أول امتحانٍ شخصيّ من هذا النوع.
قالت:
— لا أريد منك أن تعود منتصرًا في الصورة.
أريدك أن تعود محفوظ القلب.
فإن حفظ قلبك الله اليوم، كان في هذا من الخير لك ما هو أعظم من أي صورة نصر.
ثم رفعت يديها ودعت له دعاءً طويلًا.
ولما انتهت، رأت في وجهه سكينةً لم ترها فيه من قبل على هذه الصورة.
خرج.
وكان البيت، وهو يراه يخرج إلى هذا الاستدعاء، يعلم أن الزمن قد دخل طورًا جديدًا مرةً أخرى.
فما بعد هذه الخطوة لن يشبه ما قبلها.
لقد انتهى تقريبًا زمن ضرب المشروع من أطرافه وحدها.
وبدأ زمن استهداف الاسم نفسه.
ومن هنا ستتشابك الطرق أكثر:
السلطة تضرب عبدالملك مباشرة،
والناس يلتفون أكثر أو يخافون أكثر،
وعبدالله يشتد عمله في الرجال والسرائر،
وأحمد يزداد اقترابًا من الحرم،
ومحمد يشتد في العلم والوقف،
وفاطمة تقترب من إعلان أمرها،
والبيت كله يتماسك من الداخل حتى لا تُفتح فيه ثغرة واحدة.
وهكذا، لم يعد السؤال الآن:
هل اقترب المُلك؟
بل صار:
هل يحتمل عبدالملك نار الاقتراب دون أن يحترق منها؟
وهذا هو سؤال المرحلة التالية.
هل يمكن كسر هذا الشاب من داخله؟
أو استفزازه من خارجه؟
أو جرّه إلى صورةٍ تسبق أوانه، فيخسر بها نفسه قبل أن يخسرها الناس؟