الجزء السادس والعشرون: زمنُ الاصطدام المفتوح

الفصل المئتان وثلاثة عشر: أحمد في مكة… والاسم الذي بدأ يُسمع

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل المئتان وثلاثة عشر: أحمد في مكة… والاسم الذي بدأ يُسمع

في هذه الأثناء، كان أحمد قد دخل مكة على نحوٍ لا يعود بعده المرء هو نفسه.

دخل الحرم،
وسمع،
وقرأ،
وجلست روحه حيث طالما جلست رؤيا أمه قبل أن يراه بعينه.
وكان العلماء هناك يختبرونه على أكثر من وجه:
في صوته،
وفي ضبطه،
وفي فهمه،
وفي هيئته،
وفي قدرته على أن يبقى عند الحرف ولا ينجرّ إلى الإعجاب بنفسه.

قرأ أمامهم،
وجلس معهم،
وسُئل في بعض دقائق الفهم،
ورأوا منه خشيةً لا تُصنع.

ولم يكن كل من في تلك المجالس يعرف تاريخ البيت والبوسنة وما يجري فيها.
وهذا كان خيرًا.
فإن الذي يسمع أحمد هناك لا يسمعه بوصفه ابن مشروعٍ سياسي، بل بوصفه شابًّا من أهل القرآن.
ومن هنا تكون الشهادة أنقى.

ووصل إلى البوسنة خبرٌ لا يقال إلا للبيوت التي تعرف وزن الأخبار:

“لقد قُبل ذكره في قلوب بعض أهل الحرم.”

لم يكن مقامًا رسميًا، ولا إعلانًا، لكنه كان بداية السمع الحقيقي.
بداية أن الاسم لم يعد يُذكر في مجالس الاختبار على أنه ضيف، بل على أنه أهلٌ لأن يُنتظر له شأن.

ولما وصل الخبر، لم تجمع صفية النساء لتبشرهن، ولم يدخل سعيد المجلس مزهوًا، بل جلس بهدوئه المعتاد، وقرأ الرسالة مرةً ثم وضعها.

ثم قال لمحمد:
— أخوك يفتح بابًا،
فلا تنظر إليه بعين المتأخر، بل بعين من يعرف أن الباب إذا فتح له، اتسع لك معه بابك أيضًا.
قال محمد:
— وأنا أراه كذلك.
ثم أضاف بهدوء:
— وإن جلس في الحرم يومًا، فإن ما يجلس عليه من العلم والوقار لا يُصنع في يومه، بل صنعه الله في هذا البيت من قبل.
ابتسم سعيد، وقال:
— ولهذا أحب أن تبقى قلوبكم على هذا الصفاء.

أما صفية، فلما خلا بها الليل، بكت قليلًا، ثم قالت:
— يا رب، كما بلغتَ ابني هذا الباب، فاحفظ قلبه من الباب نفسه.

وكان هذا دأبها مع كل نعمة تقترب:
لا تستقبلها بالاطمئنان،
بل بالحمد والخوف الصالح.