الجزء السادس والعشرون: زمنُ الاصطدام المفتوح

الفصل المئتان وعشرة: سعيد يسلّم ولا يتراجع

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل المئتان وعشرة: سعيد يسلّم ولا يتراجع

كان أصعب ما في هذه المرحلة على سعيد ليس مواجهة السلطة فقط، بل أن يعرف كيف يتراجع خطوةً من غير أن يترك فراغًا، وكيف يُظهر ابنه من غير أن يضعه عاريًا تحت السهام.

هذه من أدقّ ما يُبتلى به الرجال الذين بُنيت على أيديهم مشاريع كبيرة:
أنهم إذا حان وقت التسليم، يخافون على ما بنوه،
ويخافون كذلك من أن يكون التأخر في التسليم نوعًا آخر من التعلق الخفي الذي يلبس ثوب الحكمة.

وكان سعيد من الرجال الذين يحاسبون أنفسهم في هذه المواضع حسابًا شديدًا.

جلس وحده في ليلة متأخرة، بعد أن انفضّت المجالس ونام البيت، وأمام عينيه خريطة البلاد، وأسماء القرى، وبعض رسائل الحجاز، وبعض الأسماء التي صار لا بد أن تُرتَّب على نحوٍ جديد.
دخلت عليه صفية، فرأته على تلك الحال، وسكتت قليلاً قبل أن تجلس.

قالت:
— أراك تقاتل شيئًا في نفسك.
رفع رأسه إليها، وتبسم تلك الابتسامة التي لا تأتيه إلا إذا انكشف له أن من أمامه يعرفه من غير أن يشرح.
قال:
— نعم.
— أهو الخوف عليه؟
— وعلى نفسي أيضًا.
— كيف؟
قال:
— لأنني اليوم، كلما قدّمتُ عبدالملك خطوة، سألتُ نفسي:
هل أقدّمه لأن الوقت قد جاء له، أم لأني أريد أن أرى ما بنيته يمشي أمامي قبل أن أموت؟
وهذا سؤالٌ مخيف.
جلست صفية أقرب إليه، وقالت:
— وماذا وجدت؟
سكت قليلًا، ثم قال:
— وجدت أنني أخاف أن يختلط في القلب الأمران.
فالمحبّ يريد أن يرى،
والقائد يريد أن يسلّم،
والأب يريد أن يحمي،
والشيخ يريد أن يطمئن أن ما بناه لن يضيع.
ومن أين للرجل أن يفرز هذه الطبقات كلَّها بسهولة؟

أطرقت صفية، لأنها تعرف أن هذا من أصدق ما يمكن أن يُقال في مثل هذا المقام.
ثم قالت:
— من رحمة الله أن من خاف من فساد نيته في مثل هذا، لا يُترك لها غالبًا.
أما من اطمأن إلى نفسه، فهنا الخطر.
ثم أضافت:
— أنت لا تدفعه لتراه ملكًا فتسعد،
بل تدفعه لأن البلاد بدأت تضع يدها على بابه.
ولو أخرتَه أكثر، ربما ظلمته وظلمت البلاد به.

رفع عينيه إليها، وقال:
— لهذا أعود إليكِ إذا ضاق عليّ فهم نفسي.
ثم أخذ نفسًا بطيئًا، وأضاف:
— إذن…
سأزيد في الظهور،
وأزيد في الاختبار،
وأقلّل من حضوري في بعض المواضع التي كان الناس لا يرون فيها إلا ظلي.
فإذا دخل هو، عرفوا أنه دخل بنفسه لا من بابي فقط.

قالت صفية:
— وهذا هو الحق.

ومنذ ذلك الليل، أخذ سعيد ينسحب انسحابًا محسوبًا من بعض الواجهات، لا يختفي، ولا يترك الأمر، لكنه يجعل من حضوره سندًا من الخلف لا ظلًا يغطي من بعده.

وهذه من أصعب صور القيادة.