الجزء الخامس والعشرون: زمنُ اقتراب الإعلان

الفصل المئتان وسبعة: الليلة التي عرفت فيها صفية أن العالم تغيّر

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل المئتان وسبعة: الليلة التي عرفت فيها صفية أن العالم تغيّر

عاد أحمد من رحلته الأولى إلى مكة بعد زمنٍ ليس بالقليل، لا طويلًا إلى حد الاغتراب، لكن كافيًا ليعود الرجل وهو يحمل من الخارج شيئًا في داخله.

لم يكن قد صار إمامًا،
ولم يُعلن له مقام،
لكن يكفي أنه دخل مجالس الحرم،
وقرأ،
وسمع،
ورأى العلماء،
ورأى مكة بعينه،
ووقف في المواضع التي كانت الرؤيا تمرّ على قلب أمه عند ذكرها.

ولما دخل البيت، لم تركض صفية إليه كما تركض الأمهات اللواتي يردن استرداد أولادهن من الطريق.
بل وقفت، ونظرت إليه طويلًا.

كان أحمد هو هو…
لكن في وجهه شيء من سكينةٍ جديدة.
شيء من أثر الأماكن الشريفة إذا مرّت على قلبٍ يعرف كيف يتأدب معها.
وإذا تكلم، خرجت نبرته أخفض قليلًا، لا ضعفًا، بل لأن الروح إذا عادت من المواضع العالية، عادت أقلّ حاجةً إلى رفع الصوت.

دخلت به إلى مجلسها بعد أن لقي أباه وإخوته.
وجلست تستمع أكثر مما تسأل.

حدثها عن مكة.
عن أوّل نظرة إلى الحرم.
عن رهبة الوقوف.
عن العلماء.
عن المجالس.
وعن الخوف الذي كان يجلس في صدره كلما قرأ.
ثم قال فجأة:
— يا أمي، الآن فهمت لماذا كنتِ تقولين: لا تدخلها طالبًا لمكانك.
لأنني يوم رأيت البيت، أحسست أن كل مكانٍ أريده لنفسي صغير جدًا أمامه.

فبكت.

لم تبكِ بكاءً صاخبًا، بل نزلت دمعةٌ ثم أخرى، وقالت:
— الحمد لله.
هذا هو أول الخير.
أن يردك الحرم إلى صغرك الحقيقي بين يدي الله، لا إلى كبرك في أعين الناس.

ثم نظرت إليه طويلًا، وشعرت أن العالم تغيّر أكثر.

فها هو عبدالملك يقترب من وجوه المُلك.
وعبدالله يشتد في موضعه.
ومحمد يعمق في العلم.
وأحمد عاد من مكة بشيء من نورها.
وفاطمة بابها يكاد يكتمل إلى البيت الملكي.
والبنات كلهن بدأن يخرجن من الدار إلى البيوت والأدوار.
والبوسنة تتحرك.
والسلطة تضرب.
والبيعة خرجت من الهمس.

وفي تلك الليلة، قامت تصلي طويلًا.

ولما فرغت من صلاتها، جلست، وقالت في سرها:
— يا رب، لقد تغيّر العالم كله حول هذا البيت، حتى كدتُ لا أعرفه.
فاحفظ جوهره.
لا تغيّره المكانة،
ولا يفسده الظهور،
ولا يكسّره الثمن.