الفصل المئتان وخمسة: المؤامرة على الرجال لا على الأقوات
بعد فشل محاولة ضرب المخازن، انتقلت السلطة ومن وراءها من المنتفعين إلى مرحلةٍ أخرى.
لقد فهموا أن ضرب الخبز ارتدّ عليهم،
وأن الوقوف عند باب الغلال كشف عبدالملك أكثر مما أضعفه،
فقرروا هذه المرة أن يضربوا الرجال.
بدأ الأمر بضغوطٍ خفية على بعض وجهاء القرى الذين حضروا مجلس الاصطفاف،
وبوعود من هنا،
وتهديدات من هناك،
وتلميحات بأن من يقترب من بيت سعيد وعبدالملك قد يخسر أرضه أو تجارته أو سلامة ولده.
وكان بعض الرجال ممن ضاق بهم الخوف.
لا لأنهم خونة في الأصل، بل لأن الضعف البشري إذا اشتد عليه الخوف على العيال، مال.
وهذا ما كان يخشاه سعيد أكثر من العداء الصريح.
وصلته الأخبار تباعًا.
فلم يغضب أولًا، بل دعا الذين ظنّ أن فيهم خيرًا لكنه خاف عليهم من التصدع، وجلس بهم مجلسًا صغيرًا، لا توبيخ فيه، ولا فضيحة، بل صدقٌ ثقيل.
قال لهم:
— أنا لا أطلب منكم أن تكونوا فوق البشر.
من خاف على أولاده، فليقل: خفت.
ومن رأى نفسه يضعف، فليقل: ضعفت.
ولا يُدخلنّ أحدكم على نفسه الخيانة من باب التظاهر بالشجاعة.
فإن الرجل إذا عرف قدر خوفه، أمكنه أن يثبته أو ينسحب بصدق.
أما إذا كذب على نفسه، صار ثغرةً لا يعلم.
ثم أضاف:
— ومن رأى منكم أن الحمل أكبر من قدرته، فليتأخر الآن مكرمًا، خير له من أن يثبت صورةً ويهوي عند أول ضغطة.
كان في الكلام رحمة، لكنه كان رحمةً واعية، لا رخاوة.
فقد أعطى الرجال فرصة أن يعرفوا أنفسهم قبل أن يقع عليهم التوقع المثالي الذي يفسدهم أو يكسرهم.
بعضهم ثبت.
وبعضهم تأخر قليلًا، لكنه لم يتحول إلى خصم.
وهذا كان نجاحًا في ذاته.
أما عبدالله، فكان يراقب الأثر، ويكتب في صدره أسماء الرجال على نحوٍ جديد:
فلان يثبت تحت الضوء،
وفلان يثبت في المجالس ويضعف إذا عاد إلى بيته،
وفلان زوجته أثبت منه،
وفلان يحب الفكرة لكنه لا يصلح للمواجهة،
وفلان إذا دُفع قليلًا خان من حيث يظن أنه ينجو.
وقال لأبيه:
— الآن بدأت أعرف أي الرجال يصلح أن يكون أول الصف، وأيهم يصلح أن يكون في الظل، وأيهم ينبغي أن يُكرم بالبعد.
فقال سعيد:
— هذه من أعمق علوم السياسة العادلة يا عبدالله.
فليس كل من أحب الحق يصلح لكل موضع فيه.