الفصل المئتان وثلاثة: أحمد ومكة… الخطوة الأولى خارج حدود البيت
أما أحمد، فقد جاءه زمنُ خروجه الأول الحقيقي إلى طريق مكة.
لم يكن خروجه هروبًا من البيت، ولا خروجًا متفاخِرًا باسمٍ صار يتردد بين العلماء، بل خروجًا متواضعًا مهيبًا، كأن البيت كله يدفع فيه شيئًا من روحه نحو الحرم.
هيأت له صفية متاعه بيدها.
ولم تكن الثياب وحدها ما تهيئه.
كانت تهيئ له ما هو أثقل:
وصاياها،
ودعاءها،
والتفاتاتها التي تعلم أن ابنها إذا خطا خارج ظل البيت الأول مرة إلى هذا البعد، فلن يعود كما خرج تمامًا.
جلس بين يديها في الليلة السابقة للسفر، وكانت السكينة تملأ الغرفة إلا من بعض أصوات البيت البعيدة.
قالت له:
— يا أحمد، غدًا ستدخل بابًا كبيرًا.
وسيقول لك الناس: هذا موضع علم، وهذا موضع شرف، وهذا موضع قرب.
فإياك أن تنظر إلى نفسك هناك بعين من دخل بيتًا أعظم من بيته.
بل انظر إليها بعين من دخل امتحانًا أدق من امتحاناته كلها.
قال:
— أخاف أن يخذلني قلبي.
قالت:
— وهذا خير من أن تأمنه.
ثم أضافت:
— وإذا سمعت ثناءً، فلا تنكره في نفسك حتى تكذب،
لكن قل: اللهم إن كان فيَّ خير، فزده ثباتًا، وإن كان ما يسمعون فوق ما فيَّ، فلا تفضحني لنفسي.
فهذه من أنفع الأدعية لمن دخل أبواب الشهرة الصالحة.
ودخل سعيد عليه بعد ذلك.
جلسا وحدهما قليلًا.
وقال له:
— ستمشي في طرقٍ كثيرة بيننا وبين مكة، لكن اعلم أن أصعب الطرق ليست تلك التي على الأرض، بل الطريق بين قلبك وصوتك.
إذا خرج الصوت من قلبٍ يحب أن يُرى، فسد وإن بكى له الناس.
وإذا خرج من قلبٍ يحب أن يُبلغ كلام الله، نفع ولو لم يكن أجمل الأصوات.
ثم أخذ بيده، وقال:
— وأريد منك شيئًا آخر:
إذا رأيت الحرم، فلا تنسَ البوسنة.
ولا تنسَ الأيتام والنساء والثلج والجسور والخبز.
فإن من انفصل علمه عن وجع الناس، لم يعد نورًا كاملًا.
بات أحمد تلك الليلة في حالٍ لا ينام فيها القلب كله.
ولما خرج في الصباح، كانت صفية واقفة عند الباب، لا تبالغ في التوديع حتى لا تُضعف خطاه، ولا تخفي دمعتها حتى لا تكذب قلبها.
انطلق.
وكان في خروجه من البوسنة شيءٌ من خروج الاسم أيضًا.
فلم يعد أحمد مجرد فتى في بيت يهيئ أبناءه، بل صار أحد الأبواب المفتوحة من هذا البيت إلى الحرم.