الجزء الرابع والعشرون: أول الضرب… وأول الثبات

الفصل المئتان: بداية الزمن الجديد

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل المئتان: بداية الزمن الجديد

في صباح اليوم التالي، كانت البوسنة قد استيقظت على شيءٍ غير مرئي، لكنه محسوس.

الطرقات لم تتغير.
السلطة لم تسقط.
الرايات لم تُرفع.
لكن القلوب نفسها لم تعد في الموضع الذي كانت عليه بالأمس.

صار الناس يقولون:
— لقد تكلمت الوجوه.

وهذه العبارة وحدها كانت تعني أن مرحلة جديدة بدأت فعلًا.

عبدالملك لم يعد مجرد فتى يقترب.
بل صار الاسم الذي التقت عليه الألسنة العاقلة.
وعبدالله صار الرجل الذي يعرف بعضهم أنه في ظهر أخيه، لكنهم لم يعرفوا بعد كم سيكون حمله عظيمًا.
وأحمد ومحمّد بدأت طرقهما إلى الحرمين تتشكل بصورةٍ لا رجعة بعدها.
وفاطمة صار بابها إلى البيت الملكي مفتوحًا على مرحلة التثبيت والاستخارة والتدبير.
والبنات جميعًا بدأن يخرجن من كونهن بنات بيتٍ فقط إلى كونهن وجوهًا نسائية ستدخل بيوت النفوذ والمعنى.
وصفية نفسها صارت، في قلوب النساء والرجال معًا، أكثر من سيدة أوقاف وستر:
صارت أمّ البيت الذي يقترب من حمل البلاد.

أما سعيد، فقد كان يقف في وسط ذلك كله كالرجل الذي يعرف أن مهمته لم تعد أن يؤسس فقط، بل أن يبدأ التسليم.
لا تسليمًا كاملًا بعد،
لكن تسليمًا تدريجيًا يجعل ابنه يخرج إلى موضعه، ويجعل هو يتأخر خطوةً ليحفظ الصورة من أن تُرى مجرد امتداد طبيعي لظله.

وفي آخر ذلك اليوم، وقف سعيد على طرف الدار، ونظر إلى عبدالملك وهو يعبر الساحة بخطى أثبت من الأمس، وإلى عبدالله قريبًا منه، وإلى أحمد يعود من مجلسٍ أو كتاب، وإلى محمد في وقاره الهادئ، وإلى البنات وهن يدخلن من بابٍ نسائي، وصفية تراقب الداخل كله بعينٍ لا يخفى عليها شيء.

ثم قال في نفسه، لا بصوتٍ يسمعه أحد:

“الحمد لله…
لقد انتهت مرحلة الإعداد.
والآن يبدأ زمن الثبات تحت الضوء.”

وهذا الزمن الجديد لم يكن ألين مما قبله، بل كان أشدّ، لأن الضوء يكشف بقدر ما يُظهر.

وسيأتي بعده:
أول البيعات الواسعة،
وأول التحركات السياسية شبه المعلنة،
وأول سفر لأحمد في طريق مكة،
وأول تثبيت رسمي لخطبة فاطمة من البيت الملكي،
وأول محاولات السلطة أن تضرب عبدالملك في الرجال لا في الأقوات فقط،
وأول مرة تقول فيها البوسنة جهارًا لا همسًا:

لقد آن له أن يخرج.

وهنا، ينتهي زمن البيعة الصامتة،
ويبدأ زمنٌ آخر أشد هيبةً وخطرًا:

زمن اقتراب الإعلان.