الجزء الرابع والعشرون: أول الضرب… وأول الثبات

الفصل المئة وتسعة وتسعون: الليلة التي بكت فيها صفية وحدها

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل المئة وتسعة وتسعون: الليلة التي بكت فيها صفية وحدها

بعد المجلس، عاد البيت كله إلى سكونه المعتاد في الظاهر.
لكن صفية لم تستطع تلك الليلة أن تحتفظ بسكونها كله.

انتظرت حتى نام أغلب من في البيت، أو خفتت الأصوات، ثم دخلت موضعًا من مواضعها التي لا ترى فيها نفسها أمام أحد، وجلست.

ولم تبكِ بكاء انهيار،
ولا بكاء ندم،
ولا بكاء فرحٍ مجرد.
بل كان بكاؤها بكاء امرأةٍ رأت زمنًا كاملاً يلتف حول عنقها مرةً واحدة.

رأت سارة الصغيرة التي لم تعرف اسمها.
ورأت صفية التي عادت إليه.
ورأت الرجل الصالح في المنام.
ورأت المدينة.
ورأت بخارستان.
ورأت أبويها الحقيقيين.
ورأت سعيدًا يوم المكتب الأول.
ورأت الأعوام التي كانت تسأل فيها فقط: كيف أنجو؟
ثم رأت ابنها اليوم، يقف والرجال يشهدون له.

ودخل عليها سعيد.

لم يقل من أول لحظة: لمَ تبكين؟
بل جلس قريبًا منها، وترك لها ما تحتاج إليه من صمت.

ثم قال:
— هذه دموع أيّ شيء؟
ابتسمت من خلال دموعها، وقالت:
— دموع من رأت الوعد يقترب حتى كاد يمسّ يدها.
ثم أضافت، وصوتها يرتجف:
— وأخاف.
— من ماذا؟
— من أن تكون هذه الخطوات بداية الثمن الكبير.

مد يده إلى يدها، وقال:
— نعم.
هي كذلك.
فالوعد إذا اقترب من صورته، اقترب معه الثمن من صورته أيضًا.

ثم سكت، وأردف:
— لكننا لم نُربِّهم لهذا اليوم لنخاف حين يأتي.
ربيناهم لنخاف فيصير خوفنا دعاءً، ويقظةً، لا حبسًا وتراجعًا.

أغمضت عينيها، وقالت:
— أعلم.
ثم رفعت رأسها إليه:
— لكنني الليلة لا أبكي خوفًا عليه فقط…
أبكي أيضًا على تلك الفتاة التي لم يكن يخطر لها أن تصل إلى هذا.
ابتسم، وقال:
— ولعل الله جعلكِ تمرين بكل ما مررتِ به، حتى لا تستقبلي هذا اليوم بسطحية من لم يعرفوا ثمن الوصول.

ثم أضاف وهو يمسح دموعها:
— ولا تنسي:
لم يصل اليوم بعد إلى تمامه.
هذه أول العلن.
وما بعده أشد.

وكانت هذه العبارة كافية لأن تعيد إلى دموعها نظامها.
فهي لا تريد أن تغرق في صورةٍ جميلة حتى تنسى الطريق الذي لا يزال طويلًا.