الفصل المئة وثمانية وتسعون: أول اصطفافٍ معلن للوجوه
في أثر كل ما جرى، جاء اليوم الذي لم يعد بعده بالإمكان أن تبقى الوجوه الكبرى في البوسنة على الحياد المؤدب.
اجتمع عددٌ معتبر من العلماء، والتجار، ووجهاء القرى، وبعض من لهم وزن في الطرق والمزارع والدواوين غير الرسمية، في مجلسٍ لم يكن سريًا تمامًا، ولا علنيًا بما يكفي ليُعدّ تحديًا صارخًا، لكنه كان أوضح من كل ما سبقه.
جلس عبدالملك في موضعٍ يليق بما صار إليه.
إلى جواره عبدالله، وعلى مقربةٍ غير بعيدة سعيد.
وفي طرف المشهد بعض العلماء الذين يعرفون أن للحظة وزنها.
تكلم الشيخ الكبير، وقال:
— لا نرفع الليلة رايةً، لكننا نرفع وضوحًا.
لقد جرّبنا هذا البيت في الخبز والعلم والصلح والنساء والطرق والأمان.
ورأينا الفتى، وأخاه، وإخوته، وأبويه، وبناته، وأثرهم في البلاد.
ونحن اليوم لا نريد أن يبقى الأمر في الضمائر فقط.
نريد أن نقول بصوتٍ يسمعه من ينبغي أن يسمعه:
إن لهذه البلاد رجلًا قد استقر في أهلها أنه أولى بحملها من غيره.
ثم قام رجل من كبار التجار، وقال:
— وأنا أشهد.
ثم قام عالم، ثم شيخ قرية، ثم آخر.
لم تكن بيعةً على الطريقة النهائية، لكنها كانت اصطفافًا معلنًا للوجوه.
وهذا في لغة التاريخ أخطر من الحماسات الشعبية المؤقتة؛
لأن الوجوه إذا انحازت، عرفت البلاد أن الأمر لم يعد أملًا في الشباب فقط، بل حسابًا في عقول من جربوا الحياة.
وفي أثناء ذلك كله، كان عبدالملك ساكتًا.
ولما قيل له: تكلم، نهض.
نظر إلى الوجوه، ثم قال:
— إن كان في قلوبكم شيءٌ لي، فليكن أول ما فيه أنني عبدٌ لله لا أملك من نفسي إلا ما يملكني به الحق.
وإني لا أقبل منكم اليوم أن تجعلوني فوق ما أنا عليه،
ولا أن تحملوني ما لا أتهيأ له،
ولا أن تدفعوا البلاد إلى خطوةٍ لا تحفظونها أنتم قبل أن أطلب أنا منكم حفظها.
ثم سكت قليلًا، وأكمل:
— إن أردتم أن تسيروا معي، فسيروا على شيءٍ واحد:
أننا لا نطلب لأنفسنا اسمًا،
بل نطلب لهذه البلاد عدلًا لا ينام الناس بعده على خوفٍ دائم.
فإن رأيتموني يومًا خرجت عن هذا، فلا تكونوا أول من يصفق لي، بل أول من يردني.
ساد المجلس صمتٌ عميق، ثم امتلأت العيون بتقديرٍ لم يكن للبلاغة وحدها، بل لأن الرجل الذي سيحكمهم يومًا ـ هكذا بدأت نفوسهم تسميه ـ لم يبتلع ثقتهم في ذاته، بل ردّها إلى شرط.
وهذا، في لحظات الظهور الأولى، من أعظم ما يثبت الخطوة.