الجزء الثالث والعشرون: البيعة التي خرجت من الهمس

الفصل المئة وسبعة وثمانون: البنات في أول دوائر البيوت الرفيعة

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل المئة وسبعة وثمانون: البنات في أول دوائر البيوت الرفيعة

أما البنات، فقد دخلن هذه المرحلة كما تدخل الخيوط الرفيعة في نسيجٍ كبير، لا يُلتفت إليها أولًا، لكنها هي ما يمنع النسيج من أن ينفك.

بدأت مريم ترافق أمها في بعض المجالس الخاصة التي تدور فيها أحاديث النساء عن بيوتهن، ومصائر بناتهن، وأدوارهن في ظل ما يقترب من تغيرات البلاد.
ولم تكن صفية تأخذها لتشهد الكلام فقط، بل لتتعلم كيف تحفظ السر، وكيف تفهم أن للمرأة دورًا في صناعة مزاج المجتمع لا يقل عن دور الرجال في قراراته.

وكانت خديجة موضع نظر بعض البيوت الكريمة في البوسنة نفسها؛
بيوت العلم والجاه والولاية المحلية.
لم يكن في الأمر خطبة بعد، لكنّها كانت تُذكر بإجلالٍ بين النساء:
“ابنة صفية ذات الوقار.”
وكانت صفية تسمع، ولا تعلق كثيرًا، لكنها تزداد يقينًا أن هذه البنت ستدخل بيتًا يحتاج أن يُثبت من داخله.

وأما عائشة، فصار حضورها في المجالس النسائية أشبه بنسمةٍ تحفظ المجلس من الجمود.
تحبها النساء، وتأنس بها الفتيات، لكن صفية كانت لا تزال تمسك بزمام هذا الباب بحكمة، فلا تترك الحياة التي في عائشة تنقلب إلى خفة.

وأما فاطمة، فكان أمرها يزداد اقترابًا من البيت السعودي على نحوٍ واضح.
فقد جاءت هذه المرة رسالة أكثر صراحة، فيها طلبٌ بأن تُرى الفتاة في مجلس نسائي خاص يطمئنون فيه إلى سمتها وعقلها وتربيتها، تمهيدًا لاستخارةٍ أوسع.

ولم تشأ صفية أن تُشعر ابنتها أن حياتها كلها معلقة بهذه اللحظة.
بل هيأتها كما هيّأت أخواتها دائمًا:
بالقرآن،
وبالهيئة،
وبحسن الكلام،
وبمعرفة قدر النفس من غير تكلف.

فلما جاءت الليلة، وجلست فاطمة بين النساء، لم تتكلف الخجل، ولا استدعته، ولم تتصنع وقارًا أكبر من سنها، بل كانت كما هي:
ساكنةً في موضعها،
واضحة في جوابها،
مؤدبة من غير رهبةٍ تشلّها.

وبعد المجلس، قالت المرأة السعودية الرفيعة لصفية:
— هذه البنت لا تدخل بيتًا كبيرًا لتتعلم الهيبة…
بل تدخل إليه ومعها هيبتها.

وعادت صفية تلك الليلة إلى فراشها بقلبٍ يعرف أن الباب لم يعد بعيدًا.
لكنها، كعادتها، لم تدع لهذا الباب أن يسرقها من الأبواب الأخرى.