الفصل المئة وثمانون: فاطمة… الباب الذي فُتح أخيرًا
في تلك الأثناء، وصل إلى البيت خطابٌ آخر من المرأة السعودية الرفيعة، لكنه لم يكن ككل ما سبق.
كان الخطاب في ظاهره مودةً وسؤالًا عن الأحوال، ثم انطوى — بعبارةٍ لائقة رفيعة — على طلبٍ صريحٍ مؤجل الأدب:
أنهم إن وجدوا في فاطمة ما يرونه من النبل والسمت والديانة، فإن بيتهم لا يمانع أن يُفتح بابٌ رسمي حين يحين الوقت، بينها وبين أميرٍ من أبناء الملك، رآها أو سمع عنها، واطمأن قلبه إلى ما بلغه من شأنها.
قرأ سعيد الرسالة طويلًا.
ثم أعطاها لصفية.
وقرأتها هي الأخرى، وقلبها بين فرحٍ مشروع، وهيبةٍ شديدة، وخوفٍ لا يفسده حسن المقام.
سكتا.
ثم قالت صفية:
— لقد جاء الباب.
قال سعيد:
— نعم.
— وما رأيك؟
قال:
— رأيي أن لا يسبق المقامُ الدين.
فإن رأينا فيه خيرًا لها، وكان في البيت من الصدق والديانة ما نرضاه، مضينا.
وإن كان البيت عظيمًا لكن قلبه لا يحفظها، فلن أغترّ بالملك.
نظرت إليه، وشعرت أن هذا الجواب هو بعينه ما كانت ترجوه.
ثم قالت:
— وأنا لا أريدها أن تدخل بيتًا عظيمًا فتصير مجرد زينة لقبٍ كبير.
أريد إن دخلته أن تدخله وهي قادرة أن تحمل فيه معنى.
قال:
— ولهذا سنزيدها تربيةً لا توقعًا.
وسنحفظ الأمر في حدوده حتى يستوي أوانه.
ولما أُخبرت فاطمة بالمعنى بعد زمنٍ وحسب سنها ومقامها، لم تُزف إليها البشرى زفًّا يفسد قلبها.
جلست معها صفية طويلًا، وقالت:
— يا ابنتي، قد يفتح الله لكِ بابًا إلى بيتٍ عظيم.
لكنني لا أريدك أن تفرحي بالبيت قبل أن تعرفي هل تستطيعين أن تبقي نفسك لله فيه أم لا.
فالمرأة إذا دخلت بيتًا كبيرًا وهي صغيرة النفس، أكلها البهرج.
وإذا دخلته وهي قوية بالله، نفع الله بها أهل البيت والناس.
أطرقت فاطمة، ثم قالت:
— وأنا لا أريد إلا ما يرضي الله.
فابتسمت أمها، ورأت فيها سكونًا يشبه ما رأته فيها يوم كانت صغيرة، فعرفت أن هذا الباب — إن فُتح — لن يفتح على فراغ.