الجزء الثاني والعشرون: البيعة التي بدأت في القلوب

الفصل المئة وتسعة وسبعون: محمد… أول مجلسٍ من وزن الرجال

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل المئة وتسعة وسبعون: محمد… أول مجلسٍ من وزن الرجال

لم يكن لمحمد رسالة من الحرم في هذه المرحلة، لكنّ طريقه هو الآخر فتح بابًا مختلفًا من الهيبة.

فقد عُقد مجلسٌ مهمّ في شؤون الوقف والطرق والأراضي، حضره بعض كبار العلماء والتجار ووجهاء القرى، وكان فيهم من يُعرف بثقله وحذره.
وطُرحت مسألة دقيقة تتعلق بوقفٍ كبير جديد، هل يُجعل في الأرض التي هم فيها أم يُجزَّأ ويُرسل بعضه إلى نواحي أبعد؟
وكانت المسألة تتداخل فيها أحوال الناس، وفقه الأولويات، وحفظ المقصد، والخوف من الطمع، ورعاية ما ينمو وما يثبت.

تكلم الكبار طويلًا.
ثم التفت واحدٌ من العلماء إلى محمد، وكان يعلم سمعته الهادئة، وقال:
— ما تقول يا بنيّ؟

لم يعتذر محمد بصغر سنه، ولم يندفع إلى الكلام.
سكت أولًا حتى ظن بعضهم أنه لن يجيب، ثم قال:

— إذا خرج الوقف كله عن الأرض التي نشأ منها، ضعفت جذوره.
وإذا حُبس كله فيها، ضاق عن حاجاتٍ تستغيث بنا من وراءها.
فالحقّ — فيما أراه — أن يُجعل له أصلٌ ثابتٌ هنا، يعرف الناس به وجهه، وتُجعل له أذرعٌ خارجية تُرسل منها إلى المواضع الأشد حاجةً.
فإن للوقف مثل الشجرة:
لا تنفع فروعها إذا قُطع أصلها،
ولا يكفي أصلها إن لم تحمل فروعًا.

ساد الصمت.

ثم قال الشيخ جلال الحق، وكان حاضرًا:
— وهذه استعارة لا تأتي من حافظ كلامٍ فقط، بل من فاهمِ مقصد.

ومنذ ذلك المجلس، بدأ بعض الناس يقولون:
— إذا كان أحمد باب الصوت والنور، فإن محمد باب الوزن والقرار في العلم.

وكان هذا تمهيدًا مهمًا لطريقه القادم إلى الحرم النبوي، حيث لا تكفي التلاوة والوجه الحسن، بل لا بد من وقارٍ علمي يزن النصوص والناس معًا.