الجزء الثاني والعشرون: البيعة التي بدأت في القلوب

الفصل المئة وثمانية وسبعون: أحمد… أول رسالة من الحرم

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل المئة وثمانية وسبعون: أحمد… أول رسالة من الحرم

في الجهة الأخرى، كان باب العلم يفتح على نحوٍ أوسع.

بعد المجالس الأولى التي ظهر فيها أحمد، وبعدما شاع خبره بين بعض العلماء والقراء، جاءت رسالة من الحجاز، من رجلٍ له صلة بمجلس الحرم أو بشيوخ القراءة فيه، يذكر فيها أن اسم الفتى قد بلغهم، وأنهم يرغبون في سماع قراءته إذا تيسر له القدوم أو المرور، أو أن يُبعث إليه بعض ما يُختبر به أهلُ القراءات.

كانت الرسالة قصيرة في ظاهرها، لكنها بالنسبة إلى بيت سعيد وصفية لم تكن عادية.
فهذا أول خيطٍ رسمي غير مباشر بين أحمد وبين الطريق الذي سيأخذه لاحقًا إلى الحرم المكي.

قرأ سعيد الرسالة على أحمد، ولم يفعل كما يفعل الآباء الذين يصنعون من كل بشارةٍ تمثالًا ينظر إليه أبناؤهم بإعجاب.
بل قال له فقط:
— هذا باب.
والأبواب لا تغترّ بها، بل تنظر هل أنت أهلٌ لها.

ثم أعطاه الرسالة.

أخذها أحمد بيدين مرتجفتين قليلاً.
ولم تكن رجفته من الفرح وحده، بل من المهابة.
هو يسمع اسم الحرم،
ويعرف أن الرؤيا قالت ما قالت،
والآن جاءه أول نَفَسٍ حقيقي من ذلك البعيد.

دخل على أمه بعد ذلك، وكانت وحدها، فقال:
— يا أمي…
ورفع الرسالة.

قرأتها.
وما إن انتهت حتى غلبتها دمعةٌ سريعة.
لكنها لم تقل: “ها قد بدأت الرؤيا.”
بل قالت:
— الآن يبدأ الامتحان يا أحمد، لا الاطمئنان.
نظر إليها متعجبًا:
— امتحان؟
— نعم.
لأن الله إذا أراك بابًا من أبواب فضله، سأل قلبك قبل قدمك:
أتدخل لهذا الباب لله، أم لتسكن في نفسك صورة نفسك عند الناس؟

ثم أمسكت يده، وأردفت:
— افرح نعم، لكن لا ترتكز على الفرح.
اجعله باعثًا على مزيد من الإخلاص، لا على الغفلة.

وكان هذا أحد أسرار صفية العظيمة:
أنها لا تقتل الفرح في أبنائها، لكنها لا تسمح له أن يفسد اليقظة.