الجزء الثاني والعشرون: البيعة التي بدأت في القلوب

الفصل المئة وستة وسبعون: مجلس القرى السبع

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل المئة وستة وسبعون: مجلس القرى السبع

بعد أسابيع قليلة، جاء أوّل امتحانٍ فعلي لترتيب الظهور.

كانت في أطراف البوسنة سبع قرى متجاورة، تختلف في أحجامها وأحوالها، لكنها تشترك في شيء واحد:
أنها صارت تعتمد على بيت سعيد وصفية في الأمن والغذاء والصلح أكثر مما تعتمد على السلطة القائمة، من غير أن يكون لذلك بعدُ اسمٌ رسمي.

نشأ بين هذه القرى وأهلها وبين بعض عمال السلطة توترٌ حاد.
لم يكن بسبب أرضٍ أو ماءٍ فقط، بل بسبب قرارٍ جديد أراد العمال فرضه على القوافل والمزارعين، بحيث تُؤخذ رسوم باهظة على المرور والنقل، ويُجبر الناس على طرقٍ أطول ليبقوا تحت عين الجباية.

اجتمع رجال القرى في مجلسٍ كبير، وكانت النفوس على وشك الانفجار.
فإذا قبلوا، خُنقوا اقتصاديًا.
وإذا رفضوا بغير نظام، فُتحت على القرى أبواب العقوبة.

أشار سعيد أن يكون المجلس هذه المرة برئاسة عبدالملك، وهو نفسه حاضرٌ في الخلف لا في الصدارة، ومعه كبار الرجال، والعلماء، وعبدالله، وبعض من يلزم من أهل الرأي.

دخل عبدالملك المجلس، ولم يكن دخوله كدخوله السابق.
كان في مشيته شيءٌ من الثبات الجديد.
لا تكلف فيه، ولا استعراض، لكنّ الرجال حين رأوه شعروا أن هذه الجلسة لن تكون كسابقتها.

جلس.

ولم يبدأ بالكلام.

ترك وجوه القرى تتكلم أولًا.
الأول شكا.
والثاني غضب.
والثالث اتهم.
والرابع حذّر من التهور.
والخامس قال: إن السكوت موتٌ بطيء.
والسادس قال: وإن الصدام الآن انتحار.
والسابع بقي صامتًا، وهو شيخٌ كبير عرفوا فيه رجاحةً وصبرًا.

وكان عبدالملك يسمع، لا بوجه الفتى الذي يتعلم، بل بوجه الرجل الذي يُطلب منه أن يلتقط من هذا التشظي الخيط الجامع.

فلما انتهوا، قال:
— قبل أن نبحث كيف نرد، أريد أن أعرف شيئًا واحدًا:
هل أنتم مستعدون أن تُؤذَوا معًا، أم أن كل قرية تريد النجاة لنفسها؟

ساد الصمت.

كان السؤال صادمًا لأنه لم يمشِ مع تفاصيل الشكوى، بل ذهب إلى أصل الأزمة نفسها.

تكلم الشيخ الصامت أخيرًا:
— إن لم نكن معًا، فسنؤكل قريةً قرية.
فقال عبدالملك:
— إذن فالأمر لا يبدأ من قرار العمال، بل من قراركم أنتم.
إما أن تصيروا سبع قرى، لكل واحدة خوفها وحسابها الضيق،
وإما أن تصيروا طريقًا واحدًا، يُؤخذ حقه أو يُدفع عنه معًا.

ثم نهض، ومشى إلى خريطةٍ أو رسمٍ بسيط أُعدّ للطريق، وقال:
— لن ندخل معهم في صدامٍ مفتوح اليوم.
لكننا لن نعطيهم ما يريدون أيضًا.
سنفتح طرقًا فرعية بإدارة أهل القرى أنفسهم.
ونقسم القوافل على أوقات مختلفة حتى لا تقع كلها تحت الجباية مرة واحدة.
ونجمع شهادات التجار الذين تضرروا.
ونرفع الشكوى لا من باب التذمر فقط، بل من باب أن القرار يُفسد التجارة التي يعتمدون هم أنفسهم على ضرائبها.
ثم نُظهر للناس أن القرى السبع يد واحدة، فلا يظن عاملٌ أنه إذا شدّ على الأولى سكتت الثانية.

نظر بعض الرجال بعضهم إلى بعض، كأنما لأول مرة يرون أن المشكلة ليست سدًّا في وجه قرارٍ جائر فحسب، بل إعادة بناء إرادة الجماعة نفسها.

وهنا تدخل عبدالله، وقال:
— وأرى أن يُعقد في كل قريةٍ مجلسٌ صغير، لا يقتصر على الرجال المتحمسين، بل يُدخل فيه شيخٌ وامرأةٌ كبيرة تعرف البيوت، وتاجر صغير، حتى لا يظن الناس أن القرار خرج من فئةٍ واحدة لا تعرف وجع الباقين.

التفتت إليه الوجوه.
ثم أومأ عبدالملك، وقال:
— نعم.
لأن ما يُحمل على أكتاف الرجال فقط قد ينهار إذا خافت البيوت من ثمنه.

وانفضّ المجلس على خطة، لا على انفعال.
وهذا أول ما جعل الناس يدركون أن عبدالملك لا يشبه الشباب الذين يقودون الحماسة فقط، بل يشبه من يحول الحماسة إلى نظام.

وفي تلك الليلة، قالت صفية لسعيد:
— ماذا رأيت فيه اليوم؟
قال:
— رأيت أول ملامح الرجل الذي إذا دخل مجلسًا، لم يعد الناس بعده كما كانوا قبله.