الجزء الثاني والعشرون: البيعة التي بدأت في القلوب

الفصل المئة وخمسة وسبعون: حين صار الظهور ترتيبًا لا احتمالًا

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل المئة وخمسة وسبعون: حين صار الظهور ترتيبًا لا احتمالًا

في الأيام التي تلت مجلس القرار، لم يحدث في ظاهر البوسنة شيءٌ خارق.
لم تُقرع طبول.
ولم تُرفع رايات على الأسوار.
ولم يخرج سعيد يعلن، ولا عبدالملك يطلب، ولا الناس يبايعون جهارًا في الساحات.

لكن الذين يعرفون كيف تتحرك التحولات الكبرى، كانوا يدركون أن أخطر ما في الانعطافات التاريخية ليس الصخب الأول، بل النظام الذي يسبق الصخب.

فقد تبدل ترتيب المجالس.
وصارت وجوه القرى حين تدخل على الدار تسأل عن سعيد، نعم، لكنها لا تستغرب أن تجد عبدالملك حاضرًا في أصل النظر.
وصار عبدالله لا يغيب عن المجالس التي فيها جمع خيوط الناس، حتى كأن وجوده إلى جوار أخيه جزء من المشهد لا يُفكَّر فيه.
وصار أحمد ومحمد لا يُريان فقط بوصفهما ولدي بيتٍ كريم، بل بوصفهما جناحين من نورٍ وعلم يُرجى لهما مقامٌ بعيد.
أما البنات، فقد دخلن في طورٍ أشد دقة؛
طور تهيئة البيوت الكبرى لاستقبالهن لا كحليٍّ اجتماعي، بل كبنات بيتٍ يحمل مشروعًا وأدبًا ووزنًا.

كان أول ما فعله سعيد بعد تلك الليلة أنه أعاد تقسيم دوائر العمل على نحوٍ أدق.

قال لعبدالملك:
— من اليوم، لا أريدك أن تحضر بعض المجالس فقط.
أريدك أن تبدأ بعضها.
لكن تذكّر:
لا تبدأها لتسمع نفسك، بل لتجمع الناس على موضعٍ يمكن البناء عليه.

وقال لعبدالله:
— وأنت، لا أريدك أن تكتفي بأن تصلح ما بعد الاختلاف.
أريدك أن تتعلم كيف ترى بوادر الاختلاف قبل أن يقع.
فإن من عرف الشقّ أول ما يظهر، حفظ الجدار قبل أن يتصدع.

وقال لأحمد ومحمد:
— أنتما من اليوم لا تعيشان للعلم وحده، بل للعهد الذي سيحمله العلم يومًا إذا جلس أحدكما في الحرم.
فإياكما أن تظنا أن الطريق إلى المحراب طريقُ أصواتٍ وحفظٍ وحضور مجالس فحسب.
إنه طريقُ قلبٍ يُمتحن، ونيةٍ تُحرس، وعلمٍ يُنزل إلى الناس لا يعلو عليهم به صاحبه.

أما البنات، فقد جمعتْهُنَّ صفية ليلةً خاصة، لا صخب فيها ولا تكلف، وقالت لهن:

— من اليوم، لا أريدكنّ أن تنظرن إلى ما يجري في البيت على أنه شأن الرجال فقط.
لأن البيوت إذا اقتربت من المقامات الكبرى، صارت النساء فيها إما حفظًا للمقام أو ثغرةً فيه.
وأنا لا أريد واحدة منكنّ زينة مقام، بل أريدكنّ حفظه.

نظرت إليها مريم بعينين فيهما وعيٌ يزداد كل يوم، وسألت:
— وما أول الحفظ؟
قالت صفية:
— أن تعرفي قدر نفسكِ من غير كِبر.
وأن تعرفي قدر غيركِ من غير ذوبان.
وأن تحفظي لسانكِ في المواضع التي يحب الناس فيها الكلام لأنهم يجهلون قيمة الصمت.

وقالت خديجة:
— وأين سيكون موضعنا؟
فأجابتها:
— حيث يضعكن الله.
لكنني أعرف شيئًا واحدًا:
أن المرأة التي لا تتعلم كيف تكون قويةً في داخلها، لن تنفعها بيوت الملوك، ولا بيوت العلماء، ولا بيوت الولاة.

وأما عائشة، فقد ابتسمت ابتسامتها التي لا تخلو من حياة، وقالت:
— إذن سنكون جندًا بصيغةٍ أخرى؟
فضحكت صفية، وقالت:
— بل ستكوننَّ قلاعًا من نوعٍ لا يراه من يظن أن القوة كلها في سيوف الرجال.

أما فاطمة، فقد كانت ساكتة أكثر من أخواتها.
وكان سكوتها في تلك المرحلة يزداد عمقًا لا بعدًا.
نظرت إلى أمها طويلًا، ولم تقل شيئًا، لكن صفية رأت في عينيها أنها تسمع ما وراء الكلام.