الجزء الحادي والعشرون: كيف يبدأ الظهور؟

الفصل المئة وأربعة وسبعون: السؤال الأخير قبل الانعطاف

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل المئة وأربعة وسبعون: السؤال الأخير قبل الانعطاف

وفي آخر تلك المرحلة، جاء المجلس الذي لم يعد بعده ممكنًا أن تبقى الأمور كما كانت.

اجتمع نفرٌ من كبار أهل البوسنة، ومن العلماء، والتجار، ووجهاء القرى، وبعض من صار لهم شأن في الطرق والبيوت والأوقاف.
وكان المجلس أثقل من سابقاته، لأن الناس لم يعودوا يطلبون فقط أن يعرفوا الطريق، بل صاروا يشعرون أن التأخير نفسه قد يصير خطرًا.

تكلموا طويلًا.
عددوا المظالم.
وعددوا ما بناه البيت.
وتكلموا عن أمان الطرق، وعن احترام الناس لعبدالملك، وعن رجاحة سعيد، وعن وقوف عبدالله إلى جوار أخيه، وعن تأثير صفية في النساء والبيوت، وعن العلم الذي خرج من أبنائهم إلى الآفاق، وعن الصلة القوية بالبيت السعودي، وما يعنيه ذلك من ظهرٍ أخلاقي وسياسي في وقت الحاجة.

ثم قال شيخٌ كبير، وكان من أصدق الحاضرين لهجةً وأكثرهم خوفًا على البلاد:

— يا أبا عبدالملك، لقد صبرنا معك، وفهمنا حذرك، ورأينا صدقك.
لكنني اليوم لا أسأل: هل؟
ولا حتى متى؟
بل أسأل سؤالًا أخيرًا:
ما الذي تنتظره البلاد بعد؟
إن كان الفتى قد اشتد، والناس قد اجتمعوا، والبيوت قد عرفتكم، والظلم قد بان، والعدل قد نبت له جذر…
فما الذي يمنع أن يبدأ الظهور من الآن بدايةً لا رجوع عنها؟

ساد الصمت.

نظر سعيد إلى عبدالملك.
ورأى في وجهه أن السؤال لم يعد مسألة مجلس، بل مسألة زمان.

ثم تكلم ببطء:

— الذي يمنع… هو أن نريد من الظهور أن يكون نصرًا اليوم فقط.
وأما إذا أردناه نصرًا يبقى، فلا بد أن نخطو الخطوة التي بعدها ونحن نعرف ثمنها.
ثم سكت، وأكمل:
لكنني أقول لكم الليلة ما لم أقله قبلها:
لقد آن أوان التحرك إلى المرحلة التالية.

اهتزّ المجلس كله.

أما عبدالملك، فلم يتحرك من مكانه، لكن شيئًا في دمه عرف أن هذه الجملة ليست ككل ما سبقها.
إنها ليست وعدًا عامًا، ولا تهدئة، ولا تأجيلًا محسوبًا.
إنها إذنٌ بالدخول إلى بابٍ لا رجعة منه.

وقال سعيد، وهو ينظر إلى الوجوه كلها:
— لن نُعلن رايةً غدًا،
لكن من هذه الليلة، سيبدأ ترتيبٌ جديد:
يخرج عبدالملك إلى الناس لا بوصفه ابني فقط، بل بوصفه صاحب الولاية القادمة.
ويكون عبدالله إلى جواره في كل مجلسٍ يحتاج جمعًا وربطًا.
وتتسع البيعة في القلوب أولًا، ثم في الأيدي.
ونشدّ ظهر البلاد بالبيت والعلم والأوقاف والبيوت والنساء والطرق، حتى إذا جاء يوم الإعلان، لم يكن قفزةً في الفراغ، بل صعودًا على درجاتٍ أُعدت من سنين.

ولما انفض المجلس، خرج الرجال وهم لا يكادون يصدقون أن الكلمات القديمة صارت الآن برنامجًا.

رجع سعيد إلى بيته.
وكان في البيت سكون الليل المعتاد، لكن الليل لم يكن ككل ليلة.

دخل على صفية.
رفعت رأسها إليه من أول نظرة، وعرفت.

قالت:
— قلتها؟
قال:
— نعم.
— ماذا قلت؟
— قلت إن المرحلة التالية قد بدأت.

وأغمضت عينيها.

لم تبكِ.
ولم تضحك.
بل شعرت كأن كل السنين الماضية جاءت وجلست في صدرها دفعةً واحدة:
ليلة الرؤيا الأولى،
والفتاة الضائعة،
ومكتب سعيد،
والبيت المسحور،
والرجل الصالح،
واسم صفية،
وبخارستان،
والمدينة،
والأبناء الثمانية،
والبوسنة،
والأوقاف،
والجوع،
والناس،
والسؤال الذي صار جهرًا.

فتحت عينيها، وقالت فقط:
— إذن… بدأ.

وكانت هذه الكلمة القصيرة خاتمة زمنٍ طويل، وبداية زمنٍ أشد طولًا وأقسى ثمنًا.

فما سيأتي بعد الآن لن يكون تربيةً فقط،
ولا نفوذًا خفيًا فقط،
ولا ظلّ عدل،
بل صعودًا فعليًا نحو المُلك.

وسيصاحبه:
اتساع البيعة،
واشتداد المؤامرة،
وتقدّم عبدالملك إلى الواجهة،
ودخول عبدالله معه في صميم الشأن،
وتحول أحمد ومحمد إلى اسمين يتهيأ لهما طريق الحرمين،
واشتداد قرب فاطمة من البيت الملكي السعودي،
ثم الأيام التي ستُعرف فيها البوسنة للمرة الأولى على نحوٍ لا رجعة بعده:

أن لها ملكًا يقترب.