الجزء الحادي والعشرون: كيف يبدأ الظهور؟

الفصل المئة واثنان وسبعون: كيف يحكم القلب نفسه؟

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل المئة واثنان وسبعون: كيف يحكم القلب نفسه؟

رغم كل ما كان يجري في الخارج، لم ينسَ سعيد أن أكبر معارك الرجل القادم إلى المُلك ليست فقط مع أعدائه، بل مع نفسه.

ولهذا، زادت خلواته بعبدالملك.

خرج معه مرةً إلى مرتفعٍ يطل على البوسنة من جهةٍ واسعة.
كان الوقت قبيل الغروب، والبلاد تحتهم تمتد في هدوءٍ لا يُظهر ما في صدورها من تعبٍ وانتظار.

قال سعيد:
— ماذا ترى؟
قال عبدالملك:
— أرى بلادًا كثيرة التعب.
قال:
— وماذا تشعر؟
سكت الفتى، ثم قال:
— أشعر أنني أريد أن أضع يدي عليها كلها، فأمنع عنها من يفسدها.
تبسم سعيد، لكنه لم يترك العبارة تمر كما تمر على الآباء المفتونين بحماس أبنائهم.
قال:
— وهذه أول الفتنة.
نظر عبدالملك إليه:
— كيف؟
— لأن قلبك إذا أحب أن يضع يده على البلاد كلها ليمنع الفساد، قد يختلط فيه الحق بالسيطرة.
والرجل لا يميّز بينهما إلا إذا حاسب نفسه حسابًا شديدًا.

ثم أضاف:
— اسمع يا بني:
ليست القوة أن تريد أن تملك البلاد.
القوة أن تريد أن تحفظها، ولو لم تملك اسمها بعد غد.
فإن قدرت يومًا أن تفرّق بين رغبتك في الحق ورغبتك في التملك، نجاك الله من كثيرٍ من الهلكة.

خفض عبدالملك رأسه، وشعر أن الكلام يدخل في أعمق موضعٍ يخافه على نفسه.

ثم قال:
— وكيف أعرف أني أريد الحق لا التملك؟
قال سعيد:
— إذا كنتَ مستعدًا أن تتأخر عن الكرسي ساعةً في سبيل أن تُنقذ البلاد سنة، فأنت أقرب إلى الحق.
أما إذا أردتَ الجلوس اليوم ولو احترقت البلاد غدًا، فقد غلبتْك نفسك، وإن لبستْ لباس العدل.

ومكثا طويلًا على المرتفع.
وكان الغروب يمشي على السهول والقرى والطرق والمياه.
وشعر عبدالملك للمرة الأولى أن المُلك ليس طريقًا إلى نفسه، بل طريقًا عبر نفسه إلى الناس.
ومن لم يعبر نفسه أولًا، أكلته في منتصف الطريق.