الفصل المئة وواحد وسبعون: البنت التي اقترب بابها
كبرت فاطمة، وكبر معها الباب الذي كان يُرى من بعيد ثم يختفي ثم يقترب أكثر.
لم تعد مجرد طفلةٍ في نظر المرأة السعودية الرفيعة، ولا مجرد اسمٍ يمرّ في الرسائل مقرونًا بالإعجاب.
بل صارت فتاةً يظهر فيها من السمت ما يجعل القلوب تتوقف قليلًا عند حضورها.
لم تكن كثيرة الكلام، لكنها إذا تكلمت بدا أن لسانها يعرف كيف يختصر المعنى في لفظٍ لا يزيد.
وكان في وجهها صفاءٌ يجاور الهيبة، وفي حركتها توازنٌ لا تكلف فيه.
وقد ورثت من أمها حسن الداخل، ومن أبيها رجاحة الموقف، ومن البوسنة شيئًا من الصبر الهادئ، ومن أصلها البخاري شيئًا من الوقار العميق.
وفي إحدى الزيارات، جاءت المرأة السعودية الرفيعة ومعها هذه المرة فتىً من بيتها، ليس ليُرى صريحًا بوصفه خاطبًا، بل بوصفه ابنًا من أبناء البيت الكبير يرافق أمه أو قريبته في رحلةٍ ذات شأن.
وكان الفتى أميرًا ابن ملك، قد تربى في بيئة السلطة، لكنه لم يكن مدللًا فارغًا، بل في وجهه أثرُ تربيةٍ تجمع بين النسب والتهذيب.
ولما رأت صفية حضوره، لم يفُتها المعنى.
لكنها، كما كانت في كل مراحلها، لم تُدخل الظنون إلى بناتها قبل أوانها.
بل تركت للمشهد أن يمشي في هدوئه.
رأى الفتى فاطمة من بعيد.
ليس في مجلس اختلاطٍ فاسد، بل في موضعٍ تحفظ فيه النساء هيبتهن، ويراه الناس بقدر ما تقتضيه الضيافة.
وكان كافيًا أن تمرّ في ذهنه العبارة التي ستبقى معه طويلًا بعد ذلك:
“هذه لا تشبه كثيرًا من الوجوه التي رأيتها.”
أما المرأة السعودية، فقد نظرت إلى صفية بعد المجلس، وقالت نظرةً لا تحتاج شرحًا:
— قد يبدأ بعض ما حدثتكِ عنه يومًا في الاقتراب.
فهزّت صفية رأسها، وقالت:
— إذا جاء، نستخير الله له، وننظر لدينه قبل مقامه.
فابتسمت المرأة وقالت:
— وهذا ما جعلني أطمئن أن هذا الباب، إن فُتح، فسيُفتح على شرف.
ولم يخرج شيءٌ معلن بعد.
لكنّ القلب الذي يعرف حركة الأقدار كان يعلم أن خيط فاطمة لم يعد بعيدًا عن أن يُعقد.