الجزء الحادي والعشرون: كيف يبدأ الظهور؟

الفصل المئة وسبعون: أحمد ومحمد إلى ما وراء البوسنة

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل المئة وسبعون: أحمد ومحمد إلى ما وراء البوسنة

في الوقت الذي كانت فيه السياسة تُشتد في البوسنة، كان العلم يأخذ أحمد ومحمد إلى آفاقٍ أبعد من حدود البلاد.

فقد بدأ ذكر الفتيين يخرج إلى مجالس العلماء في البلاد المجاورة، ثم إلى بعض الحجاز والشام ومجالس القراء والفقهاء، لا على هيئة شهرةٍ فارغة، بل على هيئة سؤالٍ يتكرر:

— من هما هذان الفتيان في بيت سعيد وصفية؟
الذي في صوته خشية،
والذي في عقله سكينة؟

ورأى سعيد أن الوقت قد حان ليُخرجهما قليلًا من تربية البيت والشيوخ المقيمين، إلى رحلات علمية قصيرة، يُختبران فيها بغير عيون أهلهم، ويُعرفان في ميزان العلم لا في ميزان الحظوة.

ذهب أحمد أولًا إلى مجلس قراءة كبير مع أهل علم من الحجاز أو من أمصار قريبة.
وقرأ، وناقش، وسُئل، وبكى في بعض الآيات، لكن الأهم أنه عاد لا منتفخًا بما سمع من الثناء، بل أشد خشية.

قال لأمه عند عودته:
— كلما اتسع العلم، شعرت أن الطريق أطول مما كنت أظن.
فقالت:
— وهذه أول رحمةٍ في العلم.
أن يكبر في عينك لا في عين الناس فقط.

وأما محمد، فقد خُصّ برحلة أخرى أقرب إلى الفقه والنظر وإدارة شؤون الوقف والمال والعدل في التوزيع.
وعاد وفي يده تعليقات وقيود ومسائل دقيقة، لكن أهم ما عاد به كان نضجًا جديدًا في نظرته.

قال لسعيد:
— رأيت بعض العلماء يضيع علمهم لأنهم لم يعرفوا كيف يحفظون أنفسهم من قرب السلطان أو بعده.
فقال سعيد:
— وما الذي فهمته من هذا؟
قال محمد:
— أن العالم إذا باع نفسه للسلطان فسد.
وإذا ظن أنه ينجو من فساد السلطان بمجرد البعد عنه، فربما فسد بكبره على الناس.
والحق أن يعرف أين يقف، ولماذا يقف.

نظر إليه سعيد، وشعر أن هذا الابن يقترب من صورة الرجل الذي سيجلس يومًا في الحرم النبوي لا قارئًا فقط، بل عالمًا يعرف موضعه من الناس والسلطة والدين.

وهكذا، خرج الاسمان:
أحمد ومحمد
من البوسنة،
لكن على هيئة النور الهادئ، لا على هيئة الضجيج.

وكان هذا مهمًا؛ لأن البيت كله لا يُبنى على السياسة وحدها، بل يحتاج أن يكون له جناحٌ في السماء كما له جناحٌ في الأرض.