الفصل المئة وتسعة وستون: عبدالله يدخل إلى قلب المؤامرة
لم يكن عبدالله من النوع الذي ينجذب إلى كشف المؤامرات لمجرد شهوة الفهم أو التلصص، لكنه كان يعرف أن بعض الشر إذا تُرك حتى يشتد في الظلال، صار أعسر علاجًا بعد ذلك.
بدأ يتتبع الخيط.
ليس بنفسه دائمًا، بل عبر رجالٍ صغار لا تُلتفت إليهم العيون، وعبر نساءٍ ثقات في دور النساء، وعبر مراقبة الألسنة لا الوجوه فقط.
أين بدأت الهمسة؟
من الذي يرددها أكثر من غيره؟
من الذي يربط بينها وبين المال؟
ومن الذي يُكثر الإشارة إلى “الجزيرة” و”البيت السعودي” كأنما يريد أن يجعل من كل عونٍ طعنًا؟
وما لبث أن ظهر له رجلٌ من وجهاء السوق، كان قد قلّ شأنه في وجود النظام الجديد، لأن احتكاره القديم للغلال والطرق لم يعد ممكنًا كما كان.
وكان هذا الرجل قد وجد في الضيق الذي تسرب إلى السلطة من آل سعيد وصفية، بابًا يعيد به نفوذه الضائع:
يضرب المشروع في مكان الثقة.
قال عبدالله لأبيه:
— ليس أخطر الناس من يكرهنا فقط، بل من يملك منفعةً خسرها بوجودنا.
فإن هذا لا يقاتلك لأنه يكرهك، بل لأنه يرى فيك موت عادته.
نظر سعيد إليه طويلًا، ثم قال:
— وهذه كلمة من رجلٍ يعرف الناس.
ثم سأله:
— ماذا ترى؟
قال عبدالله:
— لا أرى أن نفضحه من أول لحظة، فيختفي فيصير رأسًا لظل أكبر.
أرى أن نترك له بابًا يظن أنه خفي، ثم نغلق عليه بالبيّنة عند موضع لا ينجو فيه بالكلام.
وكانت الخطة كذلك.
جُمعت الأدلة.
رُصدت المجالس.
شهد من شهد.
ولما تمّ الأمر، لم يُؤتَ الرجل في زقاقٍ مظلم، ولا بمؤامرة مضادة تشبه مؤامرته، بل استُدعي إلى مجلسٍ عامّ نسبيًا، حضره بعض العلماء، وبعض التجار، وبعض وجوه القرى، وقُرئت عليه الأقاويل، وشهد الشهود، وبان أن الرجل لم يكن ينصح الناس كما كان يدّعي، بل يبني على ظنونهم لينفخ فيها حتى يستعيد موضعه.
وهنا، لم يتكلم سعيد أولًا.
بل أشار إلى عبدالله.
وقف الفتى، وكان ما يزال في سنٍّ تجعل البعض يندهش أن يُؤذن له بالكلام في مثل هذا المقام، لكنه قال بهدوء:
— من ظلم الناس في أموالهم قد يُردّ عنه المال.
أما من ظلم قلوبهم فأفسد بينها وبين من أحسن إليها، فهو أشد خطرًا.
وقد ثبت علينا وعليك — وأشار إلى الرجل — أنك لم تنصح، بل أردت أن تخلط في القلوب حتى تعود إليك نوافذ كنت تدخل منها.
ونحن لا نعاقب على الظن، لكننا نمنع من يعبث بثقة الناس أن يلبس على العامة ثوب الغيرة عليهم.
وكان كلامه موزونًا، لا شامتًا، ولا مضطربًا، ولا طالبًا للظهور.
فلما خرج الرجل من المجلس منكسرًا، كانت البوسنة قد رأت لأول مرة كيف أن عبدالله لا يحمل الخلفية فقط، بل يستطيع إذا اضطر أن يقف في قلب المشهد، ويكون ميزانًا لا صدى.
ومنذ ذلك اليوم، ازداد يقين سعيد أن أخا عبدالملك لن يكون يومًا مجرد تابعٍ له، بل سيكون ظهره الذي لا يستغني عنه.