الجزء الحادي والعشرون: كيف يبدأ الظهور؟

الفصل المئة وثمانية وستون: أول مؤامرة منظَّمة

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل المئة وثمانية وستون: أول مؤامرة منظَّمة

كما كان متوقعًا، لم يمرّ ذلك الظهور الأول بسلام.

فالسلطة التي كانت تراقب البيت من بعيد، وتتحمل تمدده الصامت ما دام ينفع الناس ويخفف عنها بعض الأعباء، بدأت تشعر أن الأمر خرج من طور الخدمة إلى طور المشروعية الشعبية.

والأخطر من كل شيءٍ عند السلطات المريضة ليس أن يعين رجل الناس، بل أن يحبوه لذلك، ثم يثقوا أنه قادر على أكثر.

فبدأت أول مؤامرة منظَّمة.

لم تكن سيفًا في الليل، ولا تسميمًا، ولا اعتقالًا مباشرًا بعد، بل كانت من النوع الأخبث في بداياته:
ضرب السمعة من داخل الحاجة.

انتشرت في بعض القرى همسات:
أن بيت سعيد لا يطعم الناس إلا ليملكهم،
وأن عبدالملك يتعمد حلّ النزاعات ليصير أميرًا عليهم،
وأن الأموال القادمة من الجزيرة ليست كلها لوجه الله، بل لشراء الولاءات،
وأن دور النساء تخفي وراءها جمعًا للبيعة من النساء،
وأن العلم الذي يُربّى عليه الأبناء ليس إلا مقدمة لبيتٍ يريد أن يبتلع البلاد.

هذه الهمسات لم تكن كلها من صنع جواسيس صريحين.
بل كان بعضها يخرج من أفواه رجالٍ صغار النفوس، أو منتفعين فقدوا شيئًا من مكانتهم القديمة، أو من أولئك الذين يخافون من قيام العدل لأنه يفضح رداءة دورهم السابق.

لكنّ من كان ينظم هذا من وراء الستار، كان ذكيًا.
فقد عرف أن ضرب المشروع في هذه المرحلة لا يكون بمواجهة الناس فيما يحبونه فيه، بل بزرع الريبة في حبهم نفسه.

شعر حسام الدين بالأمر أولًا.
ثم جاء عبدالله بما يؤكده.
فقد كان الأخير أقرب إخوته إلى التقاط هذه الشقوق الدقيقة.

قال لعبدالملك:
— ليسوا يهاجمونك من باب العمل، بل من باب النية.
يريدون أن يقولوا للناس: لا تثقوا بمن يطعمكم، فإنه يشتريكم.
غضب عبدالملك:
— وهل أصمت؟
قال عبدالله:
— لو خرجت الآن تدافع عن نيتك، بدوت كما لو أنك تحاكم الناس على ظنونهم، وهذا لا ينفع.
نحتاج أن نردّ عليهم بالفعل، وبزيادة الشفافية، وبإشراك من لا يظنون فيه هوىً.

وهنا ظهر مرةً أخرى الفرق بين الأخوين.

عبدالملك رأى موضع الضربة.
وعبدالله رأى موضع الجواب.

ولما رُفع الأمر إلى سعيد، قال:
— نعم.
الردّ الآن ليس أن ننفي، بل أن نفتح الأبواب على قدرٍ محسوب.
نجعل الحساب أوضح،
والشهود أوسع،
وأهل القرى يشاركون في الرقابة،
ودور النساء يزورها من تثق به النساء أنفسهن،
ولا يبقى في الظن بابٌ يحسن إغلاقه بصدقنا ولا نفعل.

وقالت صفية، وكان في وجهها من الألم شيءٌ ظاهر:
— يؤلمني أن يُظن في الرحمة هذا.
فقال سعيد:
— هذا ثمن اقتراب المُلك، يا صفية.
إذا أحبّك الناس بصدق، جاء من يريد أن يفسد الحب قبل أن يضربك.

ثم نظر إلى عبدالملك، وقال:
— وهذه أول ضربة في صدرك لا في جسدك.
فإن عشتها بصدق وهدوء، كبرت.
وإن استعجلت الردّ لنفسك، ضيعت على نفسك وعلينا بابًا كبيرًا.

وسكت عبدالملك، لكنه لم يكن ساكنًا من الداخل.
وهذه الليالي كانت أول ما تعلم فيها كيف يُقاتَل الرجل على نواياه، لا على أفعاله فقط.