الفصل المئة وثلاثة وستون: حين سأل الناس “متى؟” بصوتٍ أعلى
إذا كان سؤال “هل هو في الطريق؟” قد خرج أول مرة في مجلسٍ محدود، فإن السؤال التالي لم يلبث أن خرج بصوتٍ أعلى:
متى؟
لم يكن الصياح بهذا السؤال في الأسواق وعلى أبواب المساجد، بل خرج أولًا من الرجال الذين تعبوا من الظل وهم يعرفون أن الضوء موجود.
من علماء رأوا أن البلاد لن تستقيم بعون البيت من خارج الحكم فقط.
ومن تجار رأوا أن الأمن لا يثبت ببناء الطرق وحده ما دامت يد السلطة الظالمة تمتد إليها.
ومن أهل القرى الذين ذاقوا عدل البيت في النوازل أكثر مما ذاقوا من السلطان إلا الجباية والخوف.
في مجلسٍ آخر، اجتمع نفرٌ أوسع من السابقين، وكان سعيد حاضرًا، وعبدالملك وعبدالله في طرف المجلس، وبعض كبار العلماء والوجهاء.
قال رجلٌ منهم بصراحة:
— لقد عرفنا حلمكم، وصبركم، وحسن تدبيركم.
لكن البلاد تزداد اضطرابًا، والسلطة تزداد فسادًا، والناس بدأت تقول في القرى ما نقوله نحن هنا.
فإذا كان عبدالملك يُربّى لهذا، وإذا كنتم ترون في هذا البيت مشروع عدلٍ حقيقي، فمتى يظهر الأمر من طور الظل إلى طور الإعلان؟
وكان السؤال هذه المرة أثقل.
نظر سعيد إلى الحاضرين، ثم إلى ابنه.
ورأى في عيني عبدالملك نارًا ساكنة.
ورأى في عبدالله الهدوء الذي يجمع الخيوط.
ثم قال:
— متى؟
إذا صار خروجه خيرًا على البلاد لا فتنةً عليها.
إذا استوى لنا من الناس ما يجعل ظهورنا توحيدًا لا انقسامًا.
إذا اشتد عود الفتى حتى لا تأكله العيون قبل أن يحمل ما عليه.
وإذا علمنا أن ظهورنا لن يكون مجرد انتقال سلطة، بل انتقال نظام حياة.
ثم سكت قليلًا، وأضاف:
— ولن يطول ذلك كما كان يطول من قبل.
لكنني لا أعطيكم اليوم موعدًا تفرحون به الليلة وتبكون ثمنه سنين.
وكان هذا الجواب، مع أنه لم يعطهم التاريخ الذي أرادوه، قد أعطاهم شيئًا آخر:
أن الوقت لم يعد بعيدًا.
فلما انفضّ المجلس، عاد السؤال يطوف في البلاد لا بوصفه غموضًا، بل بوصفه اقترابًا مؤكدًا.
وصارت البوسنة كلها — أو أطرافٌ معتبرة منها — تعيش في حالة انتظارٍ كثيف:
انتظار لا يشبه أحلام العامة الفارغة، بل انتظار أرضٍ تعرف أن رجلاً يقترب من مقامٍ إن جاءه، تغيّر به وجه البلاد.