الجزء الثامن عشر: أوّل الظهور

الفصل المئة وخمسة وأربعون: محمد… العلم الذي يتخلق في الصمت

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل المئة وخمسة وأربعون: محمد… العلم الذي يتخلق في الصمت

أما محمد، فقد رأى الشيخ جلال الحق فيه مادةً أخرى غير مادة أحمد.
فلم يضعه على المنهج نفسه حرفيًا، بل جعله يميل إلى قراءة أعمق في النصوص، وأسئلة أقل عددًا وأكثر ثقلًا.

كان يقول له:
— أنت من النوع الذي إذا كثر عليه الكلام في البداية، ربما انطوى.
فدعنا نفتح لك الباب لا الجدار.

فجعل له أوقاتًا منفردة، وأطال معه الحديث في الأدب، وأحوال العلماء، وآفات العلم الخفية.
وسأله مرة:
— ما الذي تخافه إن علمت؟
قال محمد:
— أن يعجبني ما أعلم، فأفقد ما لا أعلم.
فقال الشيخ:
— ومن أين جاءك هذا؟
قال:
— من النظر إلى نفسي.
إذا وجدتني أجبت عن شيء، أحسست أن في النفس رغبةً خفية أن أُرى.
فأخاف.

وهنا، التفت الشيخ إلى سعيد بعد المجلس، وقال:
— ابنك هذا يحتاج إلى رفقٍ من نوع خاص.
لأنه يحاسب نفسه قبل أن تطلبوا أنتم محاسبته.
فإن أثقلتم عليه بالثناء أو بالطلبات، انكسر إلى الداخل.
لكن إذا حفظتم قلبه، خرج لكم بعلمٍ يصبر عليه الناس كما يصبرون على ماء البئر.

وكان سعيد يصغي، ويفهم.
فربّى محمد على أن يدخل العلم من غير أن يُجبر على الواجهة.
وجعله يشارك في بعض الشؤون، لكن من الأبواب التي تناسب طبيعته:
الجلوس مع العلماء.
الكتابة والتقييد.
فهم أحوال المكتبات والمصاحف والنسخ.
والنظر في أحوال من يطلب العلم ويحتاج من يعينه.

وذات مرة، أخذه سعيد إلى مجلسٍ فيه رجل من طلبة العلم ضاق صدره من فقره وقلة من يعينه.
فلما خرجا، قال سعيد:
— ما رأيك؟
قال محمد:
— أرى أن نكفيه مؤنة بعض عيشه، لكن من غير أن نربطه بنا حتى لا يصير علمه تابعًا لعطائنا.
نظر إليه سعيد، ثم قال:
— وهل رأيت هذا من عند نفسك؟
قال:
— لأن العالم إذا شعر أن خبزه مربوط برضا الرجال عنه، ضعف علمه أو سكت عما ينبغي له أن يقول.

فهنا أدرك سعيد أن في هذا الغلام بعدًا من العلم لا يقف عند النص، بل يتجاوزه إلى حماية شروط العلم نفسها.
وذلك بابٌ نادر.