الجزء السابع عشر: صعودُ عبدالملك

الفصل المئة وستة وثلاثون: محمد… عمقُ الماء الساكن

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل المئة وستة وثلاثون: محمد… عمقُ الماء الساكن

أما محمد، فقد كان يكبر على نحوٍ مختلف عن أحمد إلى حدٍّ يجعل من يراهما يعرف أن طريق العلم نفسه ليس طريقًا واحدًا، بل أبوابًا.

أحمد يجذبك إليه من أول جلوسه، لأن في وجهه نورًا ظاهرًا، وفي صوته قربًا، وفي أسئلته حرارة.
أما محمد، فلا يكشف نفسه سريعًا.
يجلس، ويسمع، ويخزن، ثم إذا تكلم بعد أيام أو أسابيع قال كلمةً تشعر أنها طالعت داخله طويلاً قبل أن تخرج.

وقد لاحظ الشيخ عبد الرحمن فيه هذه الطبيعة، فصار يخصّه أحيانًا بسؤالٍ لا يخص به أحمد، سؤالٍ يحتاج إلى تأملٍ أكثر من حاجة الحفظ.

وذات يوم، قال له:
— يا محمد، إذا حفظ رجلٌ العلم، ثم لم يجد فيه الناس سعةً، فما الذي نقصه؟
سكت محمد طويلًا، ثم قال:
— لعله حفظ العلم ولم يحفظ نفسه معه.
فسأله الشيخ:
— وكيف يحفظ الإنسان نفسه مع العلم؟
قال:
— بأن يتذكر دائمًا أن العلم يكشف له جهله أكثر مما يكشف له فضل نفسه.

أطرق الشيخ، وأطرق معه سعيد الذي كان في طرف المجلس يسمع.
ولما انفضّ المجلس، قال لصفية:
— هذا الغلام لا يفتح بابه سريعًا، لكنّ في داخله بئرًا عميقة.
قالت:
— وأنا أراه كذلك.
أحيانًا أخاف عليه من كثرة الصمت.
قال:
— لا أخاف عليه من الصمت إذا كان ممتلئًا.
أخاف عليه إذا صار الصمت فيه هروبًا، لا عمقًا.
وأراه إلى الآن أقرب إلى العمق.

ثم أضاف:
— سيحتاج محمد في تربيته إلى من يوقظه أحيانًا إلى العالم الخارجي، حتى لا يكتفي بالنظر إلى الداخل وحده.
فكما أن بعض الناس يضيعون في الضجيج، بعضهم أيضًا يضيعون في السكون إن لم يجدوا من يربطهم بالناس.

ولهذا، بدأ سعيد يُخرج محمدًا أحيانًا مع أحمد إلى بعض المجالس أو الزيارات أو أعمال الأوقاف، حتى يرى أن العلم الذي ينضج في القلب لا بد أن ينزل يومًا إلى الخلق.

وذات مرة، أُخذ أحمد ومحمد إلى دار الأيتام، وكان الصغار هناك في حالٍ من الحاجة والبراءة.
جلس أحمد بينهم سريعًا، يقرأ لهم أو يبتسم ويلاطف.
أما محمد، فوقف أول الأمر يراقب، ثم اقترب من طفلٍ كان جالسًا وحده في طرف المكان، وجلس إلى جواره دون كثير كلام.

فلما عادوا، قالت صفية:
— رأيتكما.
أنت يا أحمد دخلت عليهم بالنور.
وأنت يا محمد دخلت على ذلك الطفل كأنك عرفت وحدته.
رفع محمد رأسه وقال بهدوء:
— لأنه كان يجلس كما أجلس أنا إذا ضاق بي شيء.

هنا، عرفت صفية أن ابنها هذا لا يقرأ الكتب وحدها، بل يقرأ القلوب أيضًا، لكن بطريقته الخفية.