الفصل المئة وخمسة وثلاثون: أحمد عند الحرف الأول الكبير
في الجهة الأخرى من البيت، كان أحمد قد بدأ يدخل المرحلة التي يصير فيها القرآن ليس فقط محفوظًا على اللسان أو محبّبًا إلى القلب، بل طريقًا.
لم يعد الجلوس مع الشيخ عبد الرحمن مجرد ساعة أو ساعتين من التلقين والترديد، بل صار حالًا من أحواله.
كان إذا فرغ من واجبه الصغير، عاد إلى مصحفه أو لوحه.
وإذا مرّ بآيةٍ لم يفهمها فهمًا مبدئيًا، بقي يسأل عنها في صمتٍ أو بصوتٍ خافت، لا لأن السؤال يجلب المديح، بل لأن قلبه لا يرضى أن يمرّ على الحرف مرورًا سطحيًا.
وذات مساء، كان الشيخ عبد الرحمن يشرح لهما — هو ومحمد — معنى آياتٍ في العدل والرحمة والابتلاء.
فلما انتهى، سأل أحمد:
— يا شيخ، هل يمكن لرجلٍ أن يحفظ القرآن ثم يضيق قلبه بالناس؟
نظر الشيخ إليه طويلًا، ثم قال:
— نعم، إذا كان الحفظ في لسانه أكثر منه في قلبه.
فقال أحمد:
— إذن كيف أعرف أن القرآن دخل قلبي؟
ابتسم الشيخ ابتسامةً ملأى بالرضا عن السؤال، وقال:
— إذا بدأت ترى الناس وهم يخطئون فلا تحتقرهم سريعًا،
وترى نفسك وهي تُحسن فلا تأمن عليها سريعًا،
وتسمع آيات الرحمة فتزداد بها رحمة،
وتسمع آيات الوعيد فتزداد بها خوفًا من نفسك لا فقط من غيرك…
فهنا يكون القرآن قد بدأ يفتح قلبك.
جلس أحمد بعد ذلك طويلاً، وسكت أكثر من عادته.
ولما عاد إلى أمه ليلًا، كانت تقرأ على الصغار أو تصلح شيئًا من شؤون البيت، فقال لها:
— يا أمي، هل يضيق قلب الرجل بالناس إذا حفظ القرآن خطير؟
رفعت رأسها إليه، ورأت في وجهه أثر الكلام الذي سمعه، فقالت:
— نعم يا بنيّ، لأنه يكون قد أخذ من كلام الله ألفاظه، ولم يأخذ من الله رحمته.
قال:
— وأخاف أن أكون هكذا يومًا.
ابتسمت صفية، ومدّت يدها إلى رأسه:
— من خاف هذا على نفسه، رُجي له أن ينجو منه.
الذي يفسده العلم حقًّا هو من يظن أن كل ما عرف أكثر، صار أعذر له في قسوة قلبه.
ثم أضافت:
— احفظ هذا يا أحمد:
ليس جمال التلاوة أن يبكي الناس لصوتك فقط،
بل أن يأمنوا من ظلمك إذا كبرت.
وكان لهذه العبارة أثرٌ بالغ فيه.
لأنها جمعت بين المحراب والناس، بين التلاوة والخلق، بين الصوت والعدل.
وهذا هو الأصل الذي سيمنعه لاحقًا من أن يتحول إلى قارئٍ حسن فقط، بل يجعله رجلًا من رجال الحرمين بحق.