الجزء السادس عشر: زمنُ التربية الكبرى

الفصل المئة واثنان وثلاثون: العتبة التي تسبق الصعود

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل المئة واثنان وثلاثون: العتبة التي تسبق الصعود

ومع اكتمال هذه المرحلة، صار واضحًا أن الأسرة كلها تقف على عتبةٍ جديدة.

البوسنة لم تعد أرض حضورٍ خيري فقط، بل أرض نفوذٍ أخلاقي وسياسي يزداد.
البيت السعودي صار صديقًا وظهيرًا أخلاقيًا وماليًا معتبرًا.
الأوقاف خرجت من طور المطبخ والدور الصغيرة إلى بدايات الشبكة.
الأبناء بدأ كل واحدٍ منهم يدخل في بابه المقدر:
عبدالملك إلى الفتوة والقيادة،
أحمد ومحمد إلى الحرف والنور،
عبدالله إلى التوازن ورأب الصدع،
والبنات إلى التكوين الذي سيصنع يومًا من زواجاتهن وأدوارهن خيوطًا دقيقةً في جسد الدولة.

وفي تلك الليلة التي سبقت بداية المرحلة التالية، جلس سعيد وصفية وحدهما بعد أن نام الأبناء جميعًا، وكان البيت ساكنًا إلا من تنفس الزمن نفسه في الجدران.

قال سعيد:
— لقد انتهى زمن الغرس الأول.
قالت صفية:
— وبدأ زمن التشذيب؟
— بل بدأ زمن الإظهار.
ما غُرس واشتدّ، سيظهر الآن أثره في الناس، وفي أولادنا، وفي البلاد.

سكتت قليلًا، ثم قالت:
— أخاف من لحظةٍ واحدة فقط.
— أي لحظة؟
— أن يكبروا سريعًا.
نظر إليها وفي عينيه حنان الرجل الذي يعرف أن النساء لا يخفن على أولادهن من المرض والحرب فقط، بل من الزمن أيضًا:
— سيكبرون، نعم.
لكنهم سيكبرون تحت عينكِ ما استطاع الله.
ثم أضاف:
— ونحن أيضًا سنكبر.
والأيام لن تبقينا في هذه اللحظة.
لكن ما أرجوه أن نُحسن تسليم كل مرحلة إلى التي بعدها.

أطرقت، ثم قالت:
— إذن فلنمضِ.

وفي تلك الكلمة الصغيرة، كان معنى سنوات كاملة:
سنوات التيه،
والحب،
والشفاء،
والعودة إلى الأصل،
والولادات،
والبوسنة،
والأوقاف،
والصلات،
والتربية.

والآن، تبدأ المرحلة التي ستجعل أسماء الأبناء والبنات تخرج من الدار إلى البلاد.

وسيبدأ ذلك أولًا بعبدالملك.

لأنه حين يشتد عوده، لن يعود فتىً في بيتٍ كبير فقط،
بل سيبدأ الناس يرون فيه ما رأته الرؤيا قديمًا:
القائد الذي لا يزال يتشكل،
والملك الذي يمشي نحوه الزمن ببطءٍ ثابت.

وستتبع ذلك:
توسعة النفوذ،
ودخول عبدالله في قلب العمل،
وصعود أحمد ومحمد في مدارج العلم حتى يشهد لهما الناس،
ثم نضوج البنات،
ثم اشتداد الصلة بالبيت السعودي حتى تبلغ فاطمة سنّها،
ثم اقتراب المرحلة التي سيتحول فيها الوجود في البوسنة من نفوذٍ محبوب إلى سلطانٍ عادل.

وهنا، للمرة الأولى، بدا المستقبل لا كحلمٍ بعيد،
بل كأبوابٍ بدأت مفاتيحها توضع في الأقفال واحدةً بعد أخرى.