الفصل المئة وأربعة وعشرون: عبدالملك… الفتى الذي أحبّ الأفق
منذ تلك المرحلة، صار لعبدالملك مع أبيه وخاله بدر الدين ومجالس الرجال شأنٌ آخر.
كان أول ما ظهر في عبدالملك أنه لا يحب الجلوس في الظل طويلًا إذا عرف أن خارج البيت شيئًا يحدث.
فإذا ركب الرجال إلى أطراف الأرض، أو إلى قريةٍ مجاورة، أو إلى مجلسٍ فيه نظرٌ في أحوال الناس، التفتت نفسه إلى الخروج.
ولم يكن خروجه بدافع اللهو فقط، بل بدافع الفهم.
وحين بلغ من السن ما يسمح له ببدايات التدريب، أخذه بدر الدين أول مرة إلى ميدانٍ مفتوح عند أطراف الأرض.
لم يكن في الأمر استعراض، ولا رغبةً في أن يُقال: ها هو ابن هذا البيت يتعلم الفروسية.
بل كان الأمر عند بدر من صميم التربية؛ إذ كان يؤمن أن الفرس لا تعلّم الفتى كيف يركبها فقط، بل كيف يضبط خوفه، ويعرف جسده، ويثبت عينه، ويحفظ يده من الارتجاف.
وقف عبدالملك يومها أمام فرسٍ أهدأ من غيرها، لكن في عينيها حياة لا تخفى.
نظر إليها طويلًا.
لم يقترب فورًا.
فقال بدر الدين:
— لماذا لا تمسّها؟
قال عبدالملك، وقد كان في صوته شيءٌ من الجدية المبكرة:
— أريد أن أعرف هل تقبلني أولًا.
ضحك بدر الدين، ثم التفت إلى سعيد الذي كان حاضرًا قليلًا من بعيد، وقال:
— أسمعت؟
هذا لا يريد أن يقتحم ما أمامه حتى يعرف موضعه.
اقترب بدر من عبدالملك، ووضع يده على كتفه وقال:
— أحسنت.
فالفرس، والناس، والبلاد، والسيوف… لا يُدخل عليها المرء بطيشٍ أعمى.
كل شيء له باب.
فإذا عرفت بابه، سلمت منه أكثر، وأحسنت أخذه أكثر.
ومنذ ذلك اليوم، صار لعبدالملك بابٌ صباحي أو مسائي مع الخيل.
يتعلم أولًا كيف يقف.
ثم كيف يقترب.
ثم كيف يضع يده.
ثم كيف يركب بلا تعجل.
وكان بدر الدين شديدًا معه في مواضع، رحيمًا به في أخرى، لا يفسده بتدليل، ولا يكسّره بفظاظة.
أما سعيد، فكان يراقب بعيدًا، ثم يأخذه بعد ذلك في مجالس أخرى.
ليس مجالس الحرب، بل مجالس الرأي.
كان يجلسه إلى طرف المجلس إذا حضر بعض وجهاء القرى، أو بعض من يلجأون إليهم من أهل المظالم، أو بعض العلماء، ثم يتركه صامتًا، يسمع كيف يتكلم الرجال، وكيف يختلفون، وكيف يُوزن الكلام، وكيف يُفصل بين الحق والهوى في المواضع الدقيقة.
وذات ليلة، بعد أن انفضّ مجلسٌ طويل، سأل سعيد ابنه:
— ماذا فهمت؟
قال عبدالملك:
— فهمت أن أكثر الناس إذا تكلموا في حقهم، صار صوتهم أعلى.
أما إذا تكلموا في حق غيرهم، صار كلامهم أقل.
نظر سعيد إليه طويلًا.
ثم قال:
— ومن هنا تبدأ العدالة.
أن ترى ما يفوت غيرك رؤيته.
وكانت هذه الجملة تثبت في صدر الفتى كما تثبت المسامير في الخشب الصلب.
وبمرور السنين، بدأت ملامح عبدالملك تتشكل:
قوةٌ في البدن من غير شراسة،
وحبٌّ للأفق والمساحة،
وميلٌ إلى المخاطرة المحسوبة،
وقدرةٌ على النظر الطويل في الوجوه،
وأهم من ذلك كله:
كراهية مبكرة للظلم، لكن لم يكن فيها بعد الحكمة الكافية لضبط الغضب.
وهنا، أدرك سعيد موضع الخطر.
فقد رأى في ابنه ما يريده فيه، ورأى كذلك ما يخافه عليه:
أن يتحول حب العدل إذا لم يتهذب إلى حدّةٍ تستعجل كسر الأشياء قبل أن تعرف كيف تصلحها.
فقال لصفية يومًا:
— عبدالملك كالنار الطيبة.
تنفع إذا عرفت موضعها، وتحرق إذا تركت على هواها.
قالت:
— وكيف تحفظ النار من نفسها؟
قال:
— بالمعرفة.
وبأن يرى من أبيه وأمه ومن حوله أن القوة ليست في سرعة البطش، بل في القدرة على الإمساك حين يجب الإمساك.
فصار سعيد يتعمد أن يأخذ عبدالملك معه إلى مواضع يرى فيها الصبر الحكيم، لا فقط الحزم المباشر.
يرى أباه يسمع للناس حتى إذا ثار بعضهم.
ويراه يؤجل القرار أحيانًا حتى يستبين الأمر.
ويراه يعطي الرجل الغضبان فرصةً ليهدأ، ثم يحاسبه.
ويراه لا يظلم خصمًا لأنه خصم، ولا يلين لصديق لأنه صديق.
وهكذا، لم تكن تربية عبدالملك في الفروسية فقط، بل في تأجيل اليد حتى يسبقها العقل.