الجزء الخامس عشر: حين بدأت البذور تصير نظامًا

الفصل المئة وستة عشر: عبدالملك… الصبي الذي يراقب

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل المئة وستة عشر: عبدالملك… الصبي الذي يراقب

كان عبدالملك في تلك المرحلة قد بدأ يدخل طور الصبا الأول، لا يزال طفلًا بالطبع، لكن ملامح طبعه صارت أوضح، وأشد رسوخًا.

لم يكن من الأطفال كثيري الكلام العبثي.
بل كان ينصت أكثر مما ينطق، ويحدق في الوجوه طويلًا، ويستوقفه ما لا يستوقف غيره من الصغار.
فإذا دخل الرجال من سفرٍ أو من مجلسٍ فيه أمر، لم يركض إلى ما بأيديهم فقط، بل ينظر في وجوههم أولًا، كأنه يريد أن يعرف من وجوههم ما جرى قبل أن يعرفه من ألسنتهم.

وكان إذا خرج مع بدر الدين إلى أطراف الخيل، لا يُبهره الصوت وحده، بل يقف عند حركة الفرس، وعند وقفة الرجل، وعند طريقة الإمساك باللجام.
وإذا جلس مع تقي الدين في مجلس الفجر، هدأ طويلًا على نحوٍ يثير تعجب الصغار من سنه.

قال بدر الدين ذات مرة لسعيد:
— في هذا الغلام شيءٌ لا يرضى بالأمور من ظاهرها.
قال سعيد:
— أراه.
قال بدر:
— اليوم رأيته ينظر إلى فرسين، أحدهما أجمل شكلًا، والآخر أثبت خطوًا.
فظننت أنه سيميل إلى الأجمل كما يفعل الأطفال، فإذا به يشير إلى الأثبت.
فقال سعيد:
— لأن نفسه تعرف — من الآن — أن الجمال الذي لا يحمل صاحبه لا يساوي كثيرًا في الطريق الطويل.

أما صفية، فكانت ترى في عبدالملك شيئًا آخر أيضًا.
كانت تراه، رغم ميله إلى الحركة والقوة، شديد التعلق بالعدل في أمورٍ صغيرة.
فإذا أعطي شيئًا ورأى أخاه لم يُعطَ مثله أو ما يقابله، التفت ونظر، لا في حسدٍ فقط، بل في استفهامٍ عميق كأن نفسه تكره اختلال الميزان من الآن.

وذات يوم، كان أحمد جالسًا يقرأ عليه الشيخ شيئًا يسيرًا يناسب عمره، وأعطي محمد شيئًا آخر، وبقي عبدالملك ينظر.
فلما رأت صفية في وجهه ذلك التركيز، قالت له:
— ماذا تريد؟
فقال، على حداثة سنه:
— لماذا هذا له كتاب وأنا لا؟
فابتسمت، وقالت:
— لأن هذا يقرأ الآن.
فقال:
— وأنا أيضًا أريد.
فأحضرت له لوحًا صغيرًا، وكتبت عليه حرفًا، فهدأ.

ولما أخبرت سعيدًا في الليل، قال:
— هذه علامة حسنة.
لا أريد أن يكون عدله يومًا في الأمور الكبيرة فقط، بل في إحساسه المبكر بأن النصيب ينبغي أن يوزع بحق.

ثم سكت قليلًا وأضاف:
— لكن انتبهي.
النفوس التي تكره الظلم مبكرًا، قد تتحول إذا أسيء تربيتها إلى نفوسٍ شديدة الغضب لكل خلل، حتى لو لم تحسن مداواته.
علينا أن نعلمه كيف يرى الخلل، ثم كيف يصلحه بلا طيش.

وهكذا، كانت طفولة عبدالملك تُقرأ في البيت لا كتسلية الآباء بأطفالهم، بل كتكوينٍ مبكرٍ لطباعٍ سيبنى عليها الكثير.