الفصل المئة وأربعة عشر: صفية بين نساء البوسنة
لم يكن الطريق إلى قلوب الرجال وحده ما يحتاجه بناء النفوذ، بل الطريق إلى بيوت النساء كان، في نظر صفية، أعظم أثرًا وأبطأ كشفًا، لكنه أبقى.
كانت نساء البوسنة يومها يحملن في وجوههن شيئًا من الصمت الثقيل.
كأنهن تعلمن عبر السنين أن الحزن يُبتلع، وأن الخوف يُخفى، وأن الرجل إذا عاد إلى بيته مثقلًا بالسلطات والضرائب والتهديد، فعلى المرأة أن تكون الجدار الذي يمتص الصدمة ولا يشتكي.
رأت صفية ذلك من النظرة الأولى.
رأت في العيون تعبًا لا ينطقه اللسان،
وفي الأيدي تشققًا لا تصنعه الأعمال وحدها،
وفي طريقة الجلوس حول الأطفال نوعًا من الحراسة المذعورة، كأن كل أمٍّ تتوقع أن يُنتزع منها شيء إذا اطمأنت كثيرًا.
ولهذا، لم تبدأ معهن بخطبٍ كبيرة عن المستقبل والدولة والعدل.
بدأت بما تعرفه النساء في أعماقهن قبل أن يعرفه الفقهاء في الكتب:
الأمان.
أن يكون للمرأة موضع تذهب إليه إذا ضاقت.
أن يكون هناك من يسمع شكواها ولا يحولها إلى فضيحة.
أن يكون هناك من يعلم بناتها القراءة والقرآن والحياء معًا.
أن يكون هناك من يداويها إذا مرضت، أو يداوي ولدها، من غير أن تضطر إلى إذلال نفسها لكل باب.
فبنت صفية، بعون النساء اللواتي معها، أوّل دار للنساء في أطراف البيت الكبير، ليست دار رفاه، بل دار لجوءٍ كريم.
فيها غرفة لتعليم البنات الصغيرات،
وغرفة للنساء الأرامل أو المتعبات،
وموضع للخياطة والغزل حتى لا يكون العطاء طعامًا فقط، بل باب رزق أيضًا،
وزاوية تحفظ فيها الكتب الصغيرة والمصاحف وما يحتاج إليه التعليم الأول.
وجاءت أم زينب النيسابورية وحفصة الواعظة تتناوبان على ذلك، حتى صار الناس يعرفون أن بيت صفية ليس بيت مال فقط، بل بيت معنى.
وذات يوم، جاءت امرأة شابة تحمل رضيعةً مريضة، وعلى وجهها ذلك الانكسار الذي تعرفه النساء حين يجمع الفقر مع المرض بين يديهن.
جلست بين يدي صفية، ولم تبكِ في البداية.
بل بقيت قوية على طريقتها.
لكن حين سألتها صفية برفق:
— هل أكلتِ اليوم؟
انفجر السيل كله.
بكت المرأة بكاءً مكتومًا، ثم قالت:
— أنا لا أبكي على نفسي.
أنا أبكي لأنني كلما نظرت إلى ابنتي شعرت أنني أعجز عن كونِي أمًّا.
وهنا، شعرت صفية أن جرحها القديم تحرك.
فهي تعرف هذا الشعور.
تعرف معنى أن يرى الإنسان نفسه عاجزًا عن تقديم ما ينبغي لمن يحب.
أخذت الرضيعة بين يديها، ونادت من يُحضر العلاج والطعام والغطاء، ثم قالت للأم:
— ليست الأم من لا يعجز أبدًا.
الأم الحقيقية هي التي إذا عجزت عن شيء، بحثت عن بابٍ حتى تجده.
وأنتِ وصلتِ.
وكان لتلك الكلمة أثرٌ بالغ.
فلم تعد النساء بعد ذلك يرين في صفية مجرد سيدة بيت كبير أو زوجة رجل نافذ، بل صرن يرين فيها امرأة مرّت بالألم، ثم خرجت منه وهي قادرة أن تمسك بألم غيرها دون أن تبتلع كرامته.
وهنا، بدأ الاسم ينتشر في بيوت البوسنة على نحوٍ مختلف:
صفية… المرأة التي إذا دخلت بيتًا دخل معه الستر.