الفصل المئة وثلاثة عشر: البيت الذي صار قلعة رحمة
منذ ولادة فاطمة في البوسنة، لم يعد البيت الذي نزلت فيه صفية وسعيد بيت مهاجرين يختبرون أرضًا جديدة، بل صار بيتًا استقر فيه القدر، ووضع فيه أثقاله الأولى.
كانت البوسنة ما تزال يومها أرضًا مضطربة، يحكم ظاهرها غير أهلها، وتتنازعها أهواء السياسة والقوة والغلبة، وتعيش قراها بين خوفٍ مقيم وحاجةٍ قديمة.
لكن هذا البيت، الذي خرج إليه الأطفال الثمانية تباعًا من الرؤيا إلى التراب، لم يكن ينظر إلى البلاد من نافذة الخوف فقط، بل من نافذة الرسالة.
وقد فهم سعيد، منذ الشهر الأول، أن الدخول إلى أرضٍ تحت سلطان غير سلطانك لا يكون بالصدام الأعمى، ولا بالحلم الساذج، بل ببناء الحضور قبل بناء الحكم.
فأول ما بدأ به لم يكن رايةً ترفع، ولا خطابًا يعلو، بل دارًا للخبز.
قال لصفية ذات مساء، وهما ينظران إلى القرى القريبة وما فيها من فقراء:
— الجائع لا يسمع الكلام الكبير ما دام بطنه خاليًا.
فقالت:
— والجائعة التي تحمل أبناءها لا يهمها اسم الحاكم قبل أن تجد ما تطعمهم به.
نظر إليها، وفي عينيه تلك الموافقة العميقة التي طالما أحبّتها فيه:
— ولهذا أريد أن يبدأ الأمر من مطبخٍ لا من منبر.
وفي أسابيع قليلة، خُصصت ناحية من الأرض لبناء مطبخ كبير، ومخزن للحبوب، ومكان للعجين والخبز والطهي.
ولم يكن المشروع صغيرًا كما ظن بعض من حولهم في البداية.
فقد أراده سعيد نظامًا لا صدقةً عابرة.
يُعرف فيه الداخل والخارج،
ويُضبط فيه المخزون،
ويُعرف فيه من يأخذ ومن يحتاج،
ولا يُترك فيه الباب مفتوحًا للمحتالين،
ولا يُغلق في وجه المحتاجين الحقيقيين.
وأما صفية، فقد دخلت هذا الباب من جهة لا يستطيع الرجال وحدهم أن يدخلوها.
دخلت من جهة النساء.
كانت تذهب، أو تُرسل من تثق به من النساء الصالحات، إلى البيوت التي انكسرت فيها الأرامل، أو ضاقت على الأمهات، أو سُحق فيها الأطفال بين الجوع والخوف.
لم تدخل عليهم دخول المتفضلة، بل دخول من يعرف أن الكرامة إذا انكسرت مرةً عند باب العطاء، ربما صار الجوع أهون على بعض النفوس من السؤال.
ولهذا، وضعت نظامًا بسيطًا في ظاهره، عظيمًا في أثره:
يصل الطعام إلى البيوت كما يصل الستر، لا كما يصل الامتهان.
تُعرف الأسماء، لكن لا تُفضح في المجالس.
وتُحفظ الحاجات، لكن لا تتحول إلى حكاياتٍ على الألسنة.
وذات يوم، دخلت عليها امرأة بوسنية كبيرة في السن، يابسة الوجه من أثر الشدائد، ومعها طفلان كأن البرد قد نحت وجهيهما.
كانت المرأة تتكلم بلهجة ثقيلة، لكن الحزن لا يحتاج لغة كاملة ليفهمه القلب.
نظرت إليها صفية طويلاً، ثم جلست قريبةً منها، وأشارت لمن معها أن يُحضروا الطعام والغطاء.
ولما مدّت المرأة يدها المرتجفة لتأخذ، وضعت صفية يدها فوق يدها، وقالت بلغتها التي بدأت تتعلمها، ثم بما يترجم المعنى:
— ليس هذا فضلًا عليكِ.
هذا حقكِ فينا ما دمنا نستطيع.
نظرت المرأة إليها نظرةً لم تنسها صفية بعدها سنين.
لم تكن نظرة شكرٍ فقط، بل نظرة امرأة أدركت أن من أمامها لا يطعمها لأنه غني، بل لأنه يرى وجعها.
وفي تلك الليلة، قالت صفية لسعيد:
— اليوم فهمتُ شيئًا.
قال:
— ماذا؟
— أن الدولة قد تبدأ من رغيف خبز إذا خرج من يدٍ تحفظ الكرامة.
فقال:
— وهذا ما نريد أن يعرفه الله فينا قبل أن يعرفه الناس.