الفصل المئة وعشرة: الأرض الجديدة
دخلوا البوسنة، ولم تكن الأرض ترحب بهم كما ترحب البلاد السهلة بضيوفها.
كانت متعبة، وفي تعبها جلالٌ خاص.
جبال، وقرى متناثرة، ووجوهٌ أنهكها خوفٌ قديم، وطرقات تعرف وقع الظلم أكثر مما تعرف وقع الأمان.
لكن مع التعب، كان هناك شيءٌ آخر:
قابليةٌ عميقة لأن تستجيب الأرض إذا جاءها من يعرف كيف يلمسها.
وكانت البيوت الأولى التي أعدت لاستقبالهم بسيطة إذا قيست بما تركوه من سعةٍ في بخارستان، لكنها لم تكن فقيرة الروح.
كان فيها ما يكفي ليبدأ البيت من جديد.
أساساتٌ موجودة.
أرضٌ حولها.
مخازن صغيرة.
مجلس يمكن توسيعه.
ومواضع ستُبنى عليها لاحقًا المدارس والدور والمطابخ ومجالس العلم.
نزلت الأسرة.
وكانت صفية، رغم حملها الأخير وثقل الرحيل وألم الوداع، تشعر بشيءٍ غريب من السكون.
كأن قلبها يعرف أن هذه الأرض، على وعورتها، هي الموضع الذي كانت الرؤيا تشير إليه منذ أول مرة.
قالت لسعيد، وهما يقفان في أول مساء على طرف البيت الجديد:
— ليست جميلةً بالمعنى السهل.
قال:
— لكنها صادقة.
— نعم.
ثم وضعت يدها على بطنها وأضافت:
— وستولد فاطمة هنا.
هزّ رأسه، وقال:
— وهنا سيبدأ الوجه الآخر من الحكاية.