الفصل المئة وتسعة: وداع بخارستان
جاء يوم الوداع، وكان أثقل من أن يُختصر في مشهدٍ واحد.
الأرض التي حملت أول خطى عبدالملك،
والبيت الذي شهد ولادات محمد ومريم، ثم خديجة وعائشة،
والجدران التي سمعت أول ضحكات الأطفال،
والفناء الذي سار فيه تقي الدين بعبدالملك وهو يقرأ عليه الفجر،
وغرفة النساء التي حفظت تعب صفية وفرحها وبكاءها،
كل ذلك صار موضع وداع.
وقفت مريم تحتضن صفية طويلًا.
لم يكن حضن أمٍّ تودع ابنتها لرحلة قصيرة، بل حضن أمٍّ تعرف أن ابنتها قد تدخل بعد هذا في طريقٍ يبتعد بها عن الطمأنينة القريبة إلى شقاء الرسالة الأوسع.
قالت وهي تبكي:
— لقد رددتكِ إليّ ثم أخذتكِ مرة أخرى.
فقالت صفية وهي تشد عليها:
— بل رددتِ إليّ نفسي، ثم تدفعينني الآن إلى ما جئتُ لأجله.
قالت مريم:
— أخاف عليكِ.
قالت:
— وأنا أيضًا.
لكنني لم أعد أخاف كما كنت أخاف قديمًا.
فقديمًا كنت أخاف لأنني وحدي.
أما الآن فأنا أعرف لماذا أمشي، ومع من أمشي.
أما تقي الدين، فقد وقف أمام ابنته طويلًا، ثم وضع يده على رأسها، وقال:
— يا صفية، كنتِ يوم جئتِ إلينا ابنةً رُدت.
أما اليوم فأنتِ ترحلين أمًّا لسلالة، وشريكةً في أمرٍ سيكبر.
فاحفظي في قلبكِ أن الأصل الذي خرجتِ منه هنا لا ينتهي بخروجك، بل يمشي معك.
ثم التفت إلى سعيد:
— أوصيك بها وبالأطفال.
فقال سعيد بصوتٍ ثابت:
— ما خنتُ أمانتي فيها منذ عرفتها، ولن أخونها ما بقيت.
وركبت الأسرة للرحيل.
كان الأطفال موزعين بين الأيدي، وبين النوم واليقظة والدهشة.
عبدالملك ينظر طويلًا إلى الطريق، كأنه يشعر أن الرحلة هذه المرة ليست ككل ما سبق.
أحمد أكثر ألفةً مع حضن أمه وصوت القرآن القريب.
محمد ساكن.
مريم متلفتةٌ بعينين حاضرتين.
عبدالله هادئ في حضن من يحمله.
والتوأم البنات بين النوم واليقظة، كزهرتين لم تريا بعد حجم الحديقة التي تنتظرهما.
أما صفية، فقد كانت تحمل في داخلها فاطمة، وتحمل على كتفيها وداعًا لأصلٍ عظيم، وتحدّق في الأفق الذي ستولد فيه بنتها الأخيرة.