الفصل المئة وسبعة: حين صار البقاء تأخرًا
بعد ولادة خديجة وعائشة بمدةٍ كافية، وبعد أن استعاد البيت أنفاسه، لم يعد لأحدٍ في المجلس الكبير أن يتعامل مع البوسنة كما لو أنها احتمالٌ بعيد.
لقد صار عندهم هناك:
أرضٌ محددة،
وبيوتٌ أولية أُعدت،
وصلات مع رجالٍ من أهل الثقة،
أسرٌ بدأت تستظل بأثر الخير الذي أُرسل،
وقلوبٌ بدأت تسمع أسماءهم قبل أن تراهم.
وفي إحدى الليالي، جمع سعيد الأسرة الكبيرة.
كان المجلس ممتلئًا بهيبة القرار.
جلس تقي الدين في صدره، وإلى جواره سعيد، ثم عماد الدين، وبدر الدين، وحسام الدين، والنساء في مواضعهن يسمعن، وصفية في صمتٍ تعرف أنه يسبق مراحل العمر الكبيرة.
قال سعيد:
— لقد آن أوان الكلام الواضح.
إن البقاء في بخارستان بعد الآن، مع تمام احترامنا لهذا الأصل وما صنعه لنا، قد يتحول من حكمةٍ إلى تأخر.
لقد أُعدَّ لنا في البوسنة ما يكفي للبداية.
وليس كثيرًا، لكنه كافٍ.
والقلوب هناك تفتح بابها.
والأرض تنادي.
والزمن لا ينتظر المترددين طويلًا.
سكت المجلس.
ثم قال تقي الدين:
— أوافق.
ما صنعناه هنا لم يكن ليكون مقامًا نهائيًا، بل ليكون قاعدةً ننطلق منها، وقد آن الانطلاق.
ثم نظر إلى صفية، وقال:
— يا ابنتي، هذا البيت ردّ إليكِ اسمكِ، وربّى لكِ أولادكِ، وأعدّكم لما بعده.
فإذا رحلتِ عنه، فلا تحزني عليه كمن يترك وطنه، بل ارحلي عنه كمن يخرج من مدرسةٍ أكملت تعليمها فيها.
وكانت هذه العبارة قد اخترقت قلب صفية.
فبخارستان لم تكن عندها أرضًا فحسب.
كانت الأم،
والأب،
والأخوات،
والإخوة،
والبيت الأول الصحيح،
وأول حملٍ آمن،
وأول دارٍ بُنيت لها لا عليها،
وأول مرةٍ رأت فيها أولادها يمشون في أرضٍ لا تخاف عليهم فيها من سمّ القرابة.
ولهذا، امتلأت عيناها بالدموع.
لكنها لم تعترض.
قالت فقط:
— أعلم.
ثم أضافت بصوتٍ أثقل من الكلمات:
— وأعلم أيضًا أن البذور لا تُدفن في تربةٍ واحدة إلى الأبد.
ثم التفتت إلى أطفالها الموزعين في البيت، وقالت:
— سيذهبون إذن إلى الأرض التي كُتب لواحدٍ منهم أن يحكمها، وللبقية أن يحملوا فيها أدوارهم.
قال سعيد:
— نعم.
وسنذهب لا كفارين من نعمة بخارستان، بل كحاملين خيرها معنا.
وهكذا حُسم القرار.