الفصل المئة وواحد: عبدالله في المنام
في أشهر حملها الأولى بعبدالله، رأت صفية رؤيا قصيرة، لكنها بقيت ترنّ في قلبها طويلًا.
رأت نفسها في صحنٍ واسعٍ مفروشٍ بالحجر الأبيض، ليس هو الحرم، وليس هو ساحة بيتها في بخارستان، بل مكان بينهما، كأنه رُسم في البرزخ بين الوطنين: وطن الروح ووطن المشروع.
وكان هناك أربعة صبية يسيرون في اتجاهاتٍ مختلفة، ثم يعودون إلى نقطة واحدة.
كان عبدالملك يتقدم أولًا، وخطاه ثابتة، وعيناه على الأفق.
وأحمد يمشي في جانبٍ آخر، لكنّه كان كلما ابتعد عاد على صوت تلاوةٍ لا تراها صفية لكنها تسمعها.
ومحمد كان أقرب إلى الظل الهادئ الذي لا يضيع، والماء الذي لا يُرى صخبه لكنه يصل.
ثم ظهر صبيٌّ رابع.
لم يكن أكبرهم ولا أصغرهم، لكنه كان إذا وقف بينهم بدا وكأنه يجمعهم.
وجهه هادئ، وفي عينيه شيء من رجاحة العقل المبكر.
ليس فيه حدة عبدالملك، ولا رقة أحمد، ولا صمت محمد فقط، بل شيءٌ مركب من الجميع.
مشى الصبي الرابع حتى وقف بين أخويه الأكبرين، ثم مدّ يديه، فوضع إحداهما في يد عبدالملك، والأخرى في يد أحمد.
وعندها سمعت صفية صوتًا يقول:
“هذا لا يسبقهم فقط، ولا يتأخر عنهم فقط… هذا يحمل ما بينهما إذا افترق الناس.”
فلما استيقظت، لم تبكِ كما بكت في الرؤى الأولى، بل جلست في سكونٍ طويل، كأن قلبها استوعب معنى ثقيلًا يحتاج إلى أن يهدأ له لا أن يضجّ به.
قصّت الرؤيا على سعيد.
فأطرق طويلًا، ثم قال:
— إذن فعبدالله كما أشعرنا الله، ليس ابنًا زائدًا، بل ضلعٌ لا يقوم البيت إلا به.
قالت:
— رأيته كالجسر.
قال:
— والجسور لا يُلتفت إليها كثيرًا ما دام الناس يعبرون عليها بسلام، لكنهم إذا انهارت عرفوا قيمتها كلها.
ثم أضاف وهو ينظر إلى بطنها:
— علينا أن نربيه على أن يكون قويًا من غير أن يطلب الضوء لنفسه.
وهنا شعرت صفية أن لكل ولدٍ منها رسالةً تخصه، وأن الأم العادلة ليست من تسوي بين طباعهم، بل من تعرف أين يكمن السر في كل واحدٍ منهم.