الفصل الثامن والتسعون: القرار الذي لم يعد بعيدًا
بعد ولادة التوأم، واستقرار البيت بعض الوقت، بدا واضحًا في المجالس أن مرحلة بخارستان، رغم استمرارها وأهميتها، لم تعد هي المقام الأخير.
لقد وُضعت الأساسات.
أربعة أبناء الآن في البيت.
الأرض تنتج.
العلماء والمربون مستقرون.
الشبكات الأولى مع البوسنة بدأت تتشكل.
وبعض الأثر الخيري الأولي بدأ يذهب في قوافل صغيرة أو عبر وسطاء موثوقين.
وجلس سعيد ليلةً مع تقي الدين وإخوة صفية، وكان في المجلس من الجدية ما يدل على أن الكلام هذه المرة ليس نظريًا فقط.
قال سعيد:
— البوسنة لم تعد فكرة مؤجلة.
هي الآن موعدٌ يقترب.
لسنا مضطرين إلى الرحيل غدًا، لكننا إن تأخرنا كثيرًا، تأخرنا عن وقتٍ ينبغي أن نلحقه.
قال عماد الدين:
— هل ترى أن الحال هناك يفتح لنا بابًا؟
قال:
— نعم.
الباب لا يفتح لنا فقط، بل ينادي من يحسن الدخول.
الناس يرهقهم الظلم، والسلطات الكافرة لا تبني إلا خوفها، وهناك وجوه كثيرة مستعدة أن تلتقي على الخير إذا جاءها من يعرف كيف يبدأ.
وقال حسام الدين:
— وهناك أيضًا مخاطر.
قال سعيد:
— أعلم.
ولهذا لا أريد رحلة ارتجالية، بل انتقالًا مرحليًا محسوبًا.
تبدأه الأموال المنظمة، ثم القوافل، ثم بعض الرجال، ثم تتبعه الأسرة حين يكون للأرض هناك أول سندٍ حقيقي.
هنا كان لصفية رأي، ولما دخلت عليه بعد المجلس، قالت:
— إذا ذهبنا يومًا، فلن أذهب وأنا امرأة تجرّ أطفالها إلى المجهول.
أريد أن أذهب وأنا أعرف أين سينامون، ومن سيعلمهم، وكيف سيُحمَون، وأين ستبدأ أول مدرسة، وأين أول دار للنساء، وأين أول مطبخٍ يُطعم الجياع.
نظر إليها سعيد طويلًا، ثم قال:
— وهذا هو الكلام الذي كنتُ أنتظره منكِ.
لأن البوسنة لا تحتاج زوجة قائدٍ تكتفي بالاتباع، بل تحتاج امرأةً ترى النصف الآخر من البناء.
ثم قال بهدوء:
— أظن أن المرحلة التالية ستبدأ بعد عبدالله.
فرفعت عينيها إليه.
لقد ذكر الاسم الخامس قبل أن تحمل به بعدُ، لكنهما كانا يعيشان ضمن ترتيب الرؤيا حتى صار ذكر الأسماء المستقبلية بينهما كذكر محطات سفرٍ لم يحن موعدها بعد، لكن الطريق إليها واضح.