الجزء العاشر: التوأم والطريق إلى البوسنة

الفصل الثاني والتسعون: حلم المصباحين

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل الثاني والتسعون: حلم المصباحين

في منتصف الحمل تقريبًا، رأت صفية رؤيا لم تكن من جنس الرؤى الأولى التي قلبت حياتها، بل من جنس الرؤى التي تأتي تثبيتًا، وتوسيعًا للفهم، وإيناسًا للقلب.

رأت نفسها في دارها الكبيرة في بخارستان، لكن الدار كانت أوسع من الواقع بقليل، وأكثر صفاء، كأنها مرآة لما ستكون عليه لا لما هي عليه الآن.
وكان الليل هادئًا، وفي وسط الفناء مصباحان معلقان، كلاهما يضيء، لكن ضوء أحدهما أنقى وأقرب إلى البياض، وضوء الآخر أدفأ وأميل إلى لون الذهب.

اقتربت منهما في المنام، وإذا بصوتٍ لا ترى صاحبه يقول:
— هذان لا يخرجان معًا عبثًا.
ثم رأت من جهة المصباح الأبيض صبيًا صغيرًا هادئ الملامح، في عينيه عمقٌ غريب، كأنما يحمل منذ ولادته ميلًا إلى السكون والتلاوة والإنصات.
ومن جهة المصباح الذهبي خرجت طفلة، ليست صاخبة، لكنها حاضرة الحضور كله؛ في وجهها لطفٌ يشبه الماء إذا استقام، وفي عينيها فطنةٌ لا تناقض الرقة.

وقالت في المنام:
— محمد… ومريم؟
فجاءها الجواب كأنه ابتسامةٌ في الهواء:
— نعم.

ثم رأت الطفلة تمشي أولًا نحو أمها مريم الكبيرة، ثم تعود فتمسك بثوب صفية، كأنما تقول لها: سأكون بين أمين، بين اسمٍ قديم واسمٍ جديد، بين ذاكرة الوجع وامتداد الرحمة.
وأما الصبي، فكان واقفًا في موضعٍ أقرب إلى أحمد من عبدالملك، كأن في طبعه شيئًا من أخيه الأكبر في طريق العلم، لكن بنبرة أخرى، لا تشبهه تمامًا.

فلما استيقظت، كان قلبها خفيفًا.
قصّت الرؤيا على سعيد، فابتسم وقال:
— المصباحان؟
— نعم.
— وهذا حسن.
فبعض الأبناء لا يأتون ليضيفوا عددًا فقط، بل ليضيفوا طبقةً جديدة من الضوء.

ثم أخبرته بأنها رأت مريم الطفلة أقرب إلى أمها مريم الكبيرة، فضحك ضحكةً هادئة:
— لعل في الأسماء أسرارًا لا نراها كلها من أولها.