الجزء التاسع: ولادة النور الثاني

الفصل السادس والثمانون: بين أحمد وعبدالملك… فرقٌ يتكامل

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل السادس والثمانون: بين أحمد وعبدالملك… فرقٌ يتكامل

كان من نعم الله على البيت أن الفروق بين الولدين بدأت تظهر مبكرًا، لكنها ظهرت على صورة تكامل لا تنافر.

فعبدالملك، مع مرور الشهور، صار أقرب إلى الحركة المنظمة، والفضول العملي، والتحديق في الوجوه، والتعلق بالخروج إلى الفناء ورؤية الخيل والرجال.
إذا رأى بدر الدين أو جلال الدين الفارس، شدته هيئتهما.
وإذا سمع صوت ارتطام شيء، التفت يبحث.
وإذا أُخذ إلى أطراف الأرض، أبدى سكونًا مدهشًا أمام المساحات.

أما أحمد، فكان أكثر ألفةً للصوت الهادئ، والقراءة، والجلوس الطويل في حضن أمه أو جدته وهو يسمع القرآن.
وكان إذا دخل المجلس وفيه نقاش مرتفع، اضطرب سريعًا، أما إذا خفضت الأصوات وبدأ التلاوة أو الذكر، هدأ جسده كله.

قالت صفية مرة لسعيد:
— أترى هذا الفرق؟
قال:
— أراه.
— وأخاف أن نظلم أحدهما إذا عاملناهما بالطريقة نفسها.
— لهذا نحتاج أن نكون عادلين لا متشابهين.
العدل ليس أن نعطيهما الشيء نفسه دائمًا، بل أن نضع لكل واحدٍ ما يناسب فطرته، مع بقاء الأصل واحدًا.

ثم حمل أحمد قليلًا، ونظر إليه وقال:
— هذا سيحتاج كثيرًا إلى حفظ سكينته من ضجيج الناس إذا كبر.
ثم نظر إلى عبدالملك الذي كان يحاول أن يبلغ طرف عباءة جدته:
— وذاك سيحتاج إلى حفظ هيبته من أن تتحول إلى قسوة إذا قوي.

سمعت صفية العبارة جيدًا، وحفظتها في قلبها.
فالأم الحكيمة تعرف أن الكلمات التي تقال على أطفالها في صغرهم قد تصير مفاتيح لفهمهم إذا كبروا.