الفصل الثالث والثمانون: لقاء الأخوين
بعد أن تعافت صفية بعض الوقت، وحان الرجوع إلى بخارستان، كان قلبها معلقًا بمشهدٍ واحد أكثر من غيره:
كيف سيلتقي عبدالملك بأحمد؟
فهي تعرف أن الطفل الصغير لا يفقه معاني الأخوة كما يفقهها الكبار، لكنها كانت، مع ذلك، تشعر أن هذا اللقاء ليس عاديًا.
إنه أول التقاء عملي بين أول اثنين من الأبناء الذين سُميت أسماؤهم في الرؤيا، ووُعد لكل واحدٍ منهما بشأن.
وفي بخارستان، كان عبدالملك قد كبر قليلًا، وصارت خطواته أرسخ، ونظرته أوعى، وصار يعرف من البيت أكثر مما كان يعرف قبل سفر أمه.
ولما دخلت صفية الدار، أخذها البيت كله بالدموع والفرح والدعاء.
ثم جاء المشهد الذي انتظرته.
كان عبدالملك في يد فاطمة أو قريبًا من مريم، فلما رأى أمه انفرج وجهه على ذلك الفرح الذي لا يملكه إلا الأطفال الصغار حين يعود إليهم وجه الأمان.
مد يديه إليها، فأخذته قبل أن تضع حقيبتها أو تستريح.
ضمته طويلًا، وشمت فيه رائحة البيت التي تعرفها في جسد طفلها، ثم بكت في صمت.
وبعد قليل، قربت منه أحمد.
في البداية لم يفهم.
نظر إلى القماش الأبيض، ثم إلى الوجه الصغير، ثم عاد ينظر إلى أمه كأنه يسألها بعينيه:
ما هذا الذي جئتِ به معك؟
ضحكت صفية من خلال دموعها، وقالت:
— هذا أخوك يا عبدالملك.
ولم يفهم الكلمات كلها، لكنه مد يده الصغيرة، ولمس ببطءٍ طرف الغطاء، ثم وجه أخيه لمسةً سريعة، كأنه يتحسس حقيقة وجوده.
قالت مريم:
— انظري إليه… كأنه يعرف أنه ليس مجرد طفل آخر.
وقال تقي الدين:
— سيعرفان بعضهما أسرع مما نظن.
وكانت تلك البداية البسيطة ـ لمسة طفلٍ لطفل ـ تحمل في أعماقها صورةً بعيدة:
هذان الصغيران، اللذان لا يعرف أحدهما من الآخر الآن إلا دفء الجلد ورائحة الحليب، سيكبران يومًا، فيكون أحدهما صاحب الأرض والملك، والآخر صاحب المحراب والقرآن، ثم يلتقيان مرة بعد مرة في خدمة قدرٍ واحد.