الجزء التاسع: ولادة النور الثاني

الفصل الثاني والثمانون: المخاض الثاني

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل الثاني والثمانون: المخاض الثاني

اقتربت ساعة ولادة أحمد.

وكانت صفية هذه المرة أهدأ في ظاهرها، وإن لم تكن أقل تأثرًا في عمقها.
لقد عرفت من قبل ألم المخاض، وعرفت كيف يخرج الجسد من حدوده ليمنح روحًا جديدة طريقها، وعرفت كيف تكون الساعات الطويلة بين الدعاء والصبر والتسليم.
لكنها، مع ذلك، كانت تشعر أن أحمد يحمل نبرةً أخرى في قدَره.

في الليلة التي بدأ فيها المخاض، لم يكن الليل ثقيلاً كما كان في ولادة عبدالملك، بل كان أصفى، وأهدأ، وأشد رقة.
وكانت المدينة ساكنة، والهواء يحمل شيئًا من برودته المحببة، وضياء بعيدًا من جهة المسجد ينساب في النفس كما ينساب الدعاء.

أحست صفية بالألم الأول، ثم الثاني، فعرفت أن الوقت قد جاء.
التفتت إلى سعيد، وقالت بصوتٍ منخفض:
— بدأ.
نهض في هدوئه المعهود، لكن عينيه لم تخفيا تلك الرهبة الجميلة التي تصحب الرجل إذا عرف أن ولادة امرأةٍ أحبها ليست حدثًا بيولوجيًا فقط، بل فصلٌ جديد من القدر.

في الطريق إلى المستشفى، كانت صفية تهمس بين الألم والذكر:
— يا رب… يا رب…
وكان سعيد يقرأ ما تيسر، ثم يمسك يدها حين يشتد عليها الوجع، ولا يحاول أن يقول كثيرًا؛ لأنه تعلم مع السنين أن بعض اللحظات لا تحتاج وعودًا، بل فقط حضورًا صادقًا.

ودخلت غرفة الولادة.

وهناك، كما في المرة الأولى، شعرت صفية أن المكان ليس مجرد جدران وأجهزة ووجوهٍ مهنية، بل معبر.
هي نفسها كانت تعبر من صورةٍ إلى صورة، ومن أمومةٍ إلى أمومةٍ أوسع، ومن بيتٍ فيه طفلٌ واحد إلى بيتٍ سيتعلم فيه طفلان كيف يختلفان ويجتمعان.

وبعد ساعاتٍ طالت وقصرت في آنٍ واحد، سمعت الصرخة الثانية.

خرج أحمد إلى الدنيا.

وكانت صرخته أخف من صرخة عبدالملك، وأقرب إلى نبرةٍ طويلة مستمرة، ثم هدأ سريعًا بعد ذلك على نحوٍ أثار انتباه القابلة.
قالت:
— هذا هادئ.
ولما حملوه إلى أمه، نظرت إليه صفية طويلًا.
كان فيه شيءٌ مختلفٌ عن أخيه، حتى في الساعات الأولى.
وجهه أدقّ، وهدوؤه أعمق، وحين فتح عينيه بعد برهة، كان نظره كأنه يبحث عن الضوء لا عن الوجوه.

دخل سعيد بعد ذلك، وحين حمله بين يديه، أحسّ أنه يحمل روحًا أخرى من الأرواح التي وعدتهم بها الرؤيا.
قال:
— أحمد.
وما إن نطق الاسم حتى أحست صفية أن له في هذا المكان وقعًا خاصًا، كأن الحرف نفسه يعرف الطريق إلى الحرم من يومه الأول.

قالت وهي تنظر إليه:
— هذا لا يشبه أخاه.
فقال سعيد:
— نعم.
ذاك كأنه خرج وفيه شيءٌ من الأرض.
وهذا…
ثم سكت قليلًا وأكمل:
— كأنه خرج وفيه شيءٌ من المحراب.

فضحكت وهي متعبة، ثم بكت من فرط ما أحست به من صدق العبارة.