الفصل السابع والسبعون: تمهيد الطريق إلى البوسنة
ومع اكتمال العامين الأولين تقريبًا من حياة عبدالملك، وظهور الحمل بأحمد، وازدياد رسوخ المشروع في بخارستان، بدأ الحديث يتقدم خطوة أخرى إلى الأمام:
البوسنة.
لم تكن البوسنة في تلك المرحلة وطنًا سهلًا ولا أرضًا تحت رايةٍ مسلمة، بل كانت موضعًا تختلط فيه الحاجة إلى العدل بقبضة الكفار، ومسرحًا متعبًا للنفوذ المتنازع، وأرضًا مهيأة — في نظر الرؤيا ورجال البيت — لأن تكون يومًا موضع قيام الدولة التي سيحكمها عبدالملك.
لكن هذا لم يكن أوان الرحيل بعد.
كان ما يزال هناك وقت للتأسيس، للتعلم، للنمو، ولولادة أحمد، ثم لمن بعده.
إلا أن الرجال الكبار لا ينتظرون اكتمال الأحداث حتى يبدؤوا التفكير، بل يبدأون التفكير قبل أن يطرقهم الحدث بسنين.
جلس سعيد مع تقي الدين ليلةً طويلة، يتحدثان عن الطرق، والصلات، والعشائر، والتجار، والعلماء، والنفوذ القائم هناك، ومواطن الضعف والقوة.
قال سعيد:
— لا أريد أن نصلها يومًا كحالمين فقط.
بل نصلها ونحن نعرف الناس، والأرض، والمنافذ، وأهل القبول، وأهل العناد.
قال تقي الدين:
— نعم.
والبوسنة لا تُؤخذ بالسيف وحده، بل بالعدل الذي يسبق السيف، وبالمؤسسات التي تحمي الناس من الجوع والخوف قبل أن تطلب منهم الولاء.
وهنا، بدأت فكرة الأوقاف الخيرية تتوسع في ذهن صفية أيضًا، لا كإحسانٍ مجرد، بل كجزءٍ من بناء الدولة القادمة.
كانت تسمع الرجال، ثم تجلس وحدها أحيانًا تفكر:
كيف تُربط قلوب الأرامل؟
كيف يُحمى اليتامى؟
كيف تُنشأ دور العلم؟
كيف يشعر الناس أن الدولة حين تأتي لا تأتي لتحكمهم فقط، بل لتسعهم؟
وكان سعيد يرى هذا التفكير فيها، فيبتسم ويقول:
— لهذا قلت لكِ من قبل: إن شأنك لن يكون في بيتك وحده.