الجزء الثامن: بيتٌ يتّسع للوعد

الفصل الخامس والسبعون: عبدالملك والمدينة في أخيه

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل الخامس والسبعون: عبدالملك والمدينة في أخيه

كان عبدالملك قد بدأ في عامه الثاني أو قربه، وصار يتحرك في فناء الدار بخطواتٍ صغيرة مترددة ثم ثابتة، ويمد يديه إلى كل شيء يريد أن يعرفه.

وكانت أكثر اللحظات إيلامًا وجمالًا لصفية، أن ترى ولدها الأول يمشي في البيت الذي لم تمشِ هي في مثله طفلة.
فكل خطوة منه في أرضٍ آمنة كانت كأنها تجبر في داخلها خطوةً قديمة مشتها وحدها في خوفٍ أو إهمال.

في بعض الصباحات، كانت تحمله وتخرج به إلى أطراف الأرض، فترى الشمس ترتفع على الزرع، والخيل في البعيد، والعمال يذهبون ويجيئون، فتقول له:
— هذه أرضك يا عبدالملك… لكن لا تملكها إلا إذا عدلت فيها.
وكان يحدق فيها بعينيه الواسعتين دون أن يفهم الألفاظ، لكن الأم كانت تعرف أن بعض الكلام لا يذهب سدى، حتى لو لم يفهمه الطفل في حينه.

وفي إحدى الليالي، بعدما نام الصغير، جلست مع سعيد في المجلس الداخلي، وكان الحمل الثاني قد بدأ يظهر أثره الخفيف عليها.
قالت له:
— أظنني سألد أحمد في المدينة أيضًا.
نظر إليها طويلًا:
— ما الذي يجعلكِ تميلين إلى ذلك؟
قالت:
— لا أستطيع أن أشرحه جيدًا… لكن عبدالملك وُلد هناك فكأن المدينة أعادت لي شيئًا مسروقًا.
وأحمد… أشعر أن له مع الحرم طريقًا يبدأ من ولادته.
ابتسم سعيد ابتسامةً فيها تأمل:
— وكأن الله يربط أول خيوط قدره من الآن.
— نعم.
ثم قالت، وقد خفضت صوتها:
— أليس غريبًا أنني كلما حملت، أشعر أن لكل واحدٍ منهم أرضًا تشتاق إليه قبل أن يولد؟

ردّ سعيد بهدوء:
— ليس غريبًا على من حملت في رحمها أطفالًا سبق ذكرهم في الرؤيا.

وهكذا، بدأ القرار ينضج من جديد:
إذا يسر الله، ستعود صفية مرةً أخرى إلى المدينة حين يقرب موعد ولادة أحمد.

ولم يكن في هذا القرار تكرارٌ للحركة فحسب، بل كان بناءً للصلة الخفية بين الطفل الثاني وبين المصير الذي ينتظره عند الحرم.