الفصل الرابع والسبعون: الحمل الثاني
مضت الشهور، وعبدالملك يزداد ثباتًا وجمالًا، والدار تزداد اكتمالًا، وصفية تتوازن في أمومتها الأولى، حتى جاء اليوم الذي شعرت فيه مرةً أخرى بتبدلٍ خفيف في داخلها.
هذه المرة لم تكن دهشتها مثل الأولى.
كانت أهدأ، وأكثر نضجًا، لكنها لم تكن أقل عمقًا.
وضعت يدها على بطنها، وابتسمت ابتسامةً قصيرة، ثم قالت في سرها:
— أأنت؟
ولما تأكد الحمل، لم تندفع بالبكاء كما فعلت مع عبدالملك، بل جلست قليلًا صامتة، تنظر إلى ولدها الأول وهو يحاول أن يقف متكئًا على الوسادة، ثم نظرت إلى سعيد، وقالت:
— بدأ إخوتك يطرقون الباب يا عبدالملك.
ضحك سعيد حين أخبرته، ثم قال:
— أحمد؟
نظرت إليه بدهشةٍ لطيفة:
— سبقك الاسم.
— لأن الرؤيا سبقتنا جميعًا.
وهكذا، بدأت رحلة الحمل الثاني.
وكان الفرق بين الحملين كبيرًا في نفس صفية.
الحمل الأول جاء بعد جراحٍ طويلة، فكان أشبه بالمعجزة.
أما الحمل الثاني، فجاء في بيتٍ بدأ يستقر، ومع ولدٍ أول يملأ الدار، فصار أشبه بإشارةٍ إلى أن الوعد لا يتوقف عند طفلٍ واحد.
وذات ليلة، كانت تجلس مع مريم أمها، فقالت لها الأم:
— ما الذي يخطر في قلبكِ لهذا القادم؟
سكتت صفية قليلًا، ثم قالت:
— أشعر أنه أقرب إلى العلم من أخيه.
ابتسمت مريم:
— والأول؟
— الأول كأنه يحمل الأرض.
وهذا الثاني… كأن في روحه شيئًا من المسجد.
ولم تقل هذا من عند نفسها فقط، بل لأن شيئًا من الرؤيا القديمة كان يتحرك فيها كلما تذكرت أحمد ومقامه المنتظر.
قالت مريم:
— وهل ترين أنكِ ستلدينه هنا؟
سكتت صفية لحظة، ثم قالت:
— لا أدري بعد.
لكن شيئًا في قلبي يعود بي إلى المدينة كلما تذكرت هذا الحمل.