الفصل الثاني والسبعون: علامات مبكرة
كان عبدالملك يكبر في شهوره الأولى على نحوٍ جعل البيت كله يلاحظ فيه شيئًا من السكون غير المعتاد.
لم يكن كثير البكاء بلا سبب.
ولم يكن إذا نظر في الوجوه ينظر نظر الطفل المبعثر، بل نظرًا طويلاً كأنما يتأمل أكثر مما يُتوقع من رضيع.
وكان إذا هدأ على صدر أمه أو في يد جده تقي الدين، يطيل السكون بطريقةٍ تلفت الانتباه.
قالت حميدة يومًا:
— هذا الطفل لا يبكي كثيرًا، لكنه يراقب كثيرًا.
فقالت مريم:
— بعض الأطفال يولدون وعيونهم كأنها تسأل العالم، وبعضهم يولد وعيونهم كأنها تحفظه.
أما تقي الدين، فقد حمله ذات صباح، وكان الضوء يدخل من النافذة على جبينه الصغير، فقال بهدوء:
— في وجهه شيءٌ من الوقار المبكر.
فضحك عماد الدين:
— يا أبتِ، هو رضيع!
فقال الشيخ:
— نعم، رضيع.
لكن الأرواح لها إشاراتٌ لا علاقة لها بالعمر.
وأما سعيد، فكان إذا رآه ساكنًا على نحوٍ خاص، مرّت في نفسه كلمات الرؤيا القديمة.
لكنه لم يكن يُكثر القول فيها.
بل كان يحب أن يترك الأيام تكشف في أوانها ما أخبر به الغيب، دون أن يحمّل الطفل من اليوم ما سيحمله الزمن لاحقًا.
وذات عصر، دخل على صفية وهي تُرضعه، فقال:
— أتعلمين ماذا خطر لي؟
— ماذا؟
— أن هذا الصغير سيحتاج يومًا إلى أن يعرف من أمه كل ما مرّ بها، لا ليحزن، بل ليعرف معنى أن يُبنى العدل فوق معرفة الظلم.
أطرقت صفية، وشعرت أن الفكرة لامست موضعًا حساسًا فيها:
— أتُخبره يومًا؟
— نعم. لكن لا وهو صغير.
وحين يصير قلبه قادرًا على الفهم، لا أريده أن يتخيل أن المجد وُلد في بيتنا جاهزًا.
بل أريده أن يعرف أنه خرج من رحم امرأةٍ ذاقت الظلم، ثم آمنت بالله، ثم قامت.
وقالت صفية بعد صمت:
— لعله إذا عرف هذا، لم يظلم أحدًا أبدًا.