الفصل الحادي والسبعون: صفية تتعلم أمومتها الثانية… أمومة المشروع
في الأسابيع التي تلت، لم تعد صفية أمًّا لعبدالملك وحده، بل بدأت تصير أمًّا للفكرة كلها.
فقد كانت الأمومة عندها، في أول أيامها، أمومة الجسد والحنان والخوف على الرضيع.
ثم بدأت تتحول شيئًا فشيئًا إلى أمومة الوعي؛
أمومة المرأة التي تعرف أن ابنها ليس طفلًا للبيت فقط، بل حلقةٌ أولى في سلسلةٍ ينبغي أن تتهيأ لها هي أيضًا.
كانت تجلس مع مريم أمها، ومع فاطمة أم سعيد، ومع رشيدة، وحميدة، ويطول الحديث عن التربية.
قالت مريم مرة:
— لا تعوضي نقص طفولتكِ في تربيته على الإفراط.
قالت صفية:
— أخاف من هذا كثيرًا.
قالت فاطمة:
— الأم التي جاعت إلى الحنان قد تُخطئ أحيانًا، فتُغرق ولدها باللين حتى يفسد، ظنًا منها أنها تشفي نفسها فيه.
فقالت رشيدة، وهي تعدل طرف غطائها:
— الرحمة لا تعني أن نمنعهم من احتمال المسؤولية.
وإذا كان هذا عبدالملك كما أخبرتكم الرؤيا، فإنه سيحتاج من أمه قلبًا رحيماً وعينًا لا تنخدع بضعفه الصغير إذا آن وقت الشدة.
صمتت صفية طويلًا بعد ذلك المجلس.
ثم في الليل قالت لسعيد:
— أحيانًا أخاف.
— ممَّ؟
— أن أفشل في شيءٍ بهذا الكبر.
نظر إليها نظرة ثابتة:
— الفاشل حقًا هو من لا يخاف من المهمة الكبيرة.
أما من يخافها ويتهيأ لها ويسأل الله، فهذا أول الناجحين.
ثم أضاف:
— وقد خرجتِ من نارٍ طويلة.
من خرج من نار الابتلاء، لا يربي أبناءه كما يربيهم المترفون الغافلون.
بل يعرف أين يلين، وأين يشد، وأين يحرس القلب من أن يذبل أو يطغى.
خفضت رأسها، وشعرت أن كلمات سعيد لا ترفعها مجانًا، بل تحمّلها في الوقت نفسه واجبًا تحبه.
وهذا ما كانت تحتاجه:
لا مديحًا مجوفًا، بل ثقةً تعقد معها عهدًا.