الفصل الخامس والستون: صرخة عبدالملك
طالت ساعات المخاض، كما تطول ولادة البدايات الكبيرة.
وكانت صفية، بين ألمٍ وألم، تقرأ في سرها ما تحفظ، وتستعين بالله، وتستحضر وجه أمها مريم، وأبيها تقي الدين، وأم سعيد فاطمة، وأهل البيت في بخارستان، وكل ما مشته إليها الحياة حتى هذه اللحظة.
وأما سعيد، فكان في الخارج أو قريبًا من موضع ما يسمح به النظام، يمشي مرة، ويقف مرة، ويجلس مرةً قصيرة ثم يقوم، لكنه لم يكن مشتتًا.
كان قلبه متجهًا كله نحو الله، كأنه يعرف أن الرجال، في لحظات الولادة، لا يملكون إلا الدعاء والانتظار والصدق في الحب.
ثم جاء الصوت.
صرخة الوليد الأولى.
ولم تكن في قلب سعيد مجرد صرخة طفل خرج إلى الدنيا، بل كانت انفراج بابٍ كبير في القدر.
وقف في مكانه، وأغمض عينيه، وتمتم:
— الحمد لله… الحمد لله.
وبعد قليل، خرجت الممرضة، وعلى وجهها ابتسامة المهنئات:
— مبارك… ولد.
ولما حملوه إليه بعد أن اطمأنوا عليه وعلى أمه، أخذ سعيد ابنه بين يديه ببطءٍ شديد، كأنما يحمل شيئًا أثقل من وزنه الحقيقي.
كان صغيرًا، دافئًا، ملفوفًا بقماش أبيض، وملامحه لا تزال غضّة من أثر الخروج إلى العالم، لكن في جبينه شيءٌ من السكون أثار في قلب أبيه رجفةً قديمة.
نظر إليه طويلًا.
ثم قال بصوتٍ خافت:
— عبدالملك.
ولم يكن ينطق اسمًا فقط.
كان يسلّم الطفل إلى اسمه، ويسلم الاسم إلى الطفل، في لحظةٍ واحدة.
ثم دخل إلى صفية.
كانت متعبة، شاحبة، لكن وجهها مغمور بضياءٍ لا تصنعه الراحة، بل تصنعه النجاة.
نظرت إليه، ثم إلى الطفل بين يديه، ثم سالت دموعها من جديد.
قال سعيد، وجلس قربها:
— جاء.
ابتسمت في وهنٍ عذب:
— عبدالملك؟
— نعم.
ثم قربه إليها.
أخذته صفية، وما إن لامست يدها جسده الصغير حتى شعرت بشيءٍ انغرس في قلبها إلى الأبد.
هذا ليس ابنها فقط.
هذا ردٌّ من الله.
هذا الصفحة الأولى من الوعد.
هذا الطفل الذي وُلد في المدينة التي سرقت منها يومًا، ليقول للزمن: إن الله لا يترك القصة معلقة في جهة الظلم.
رفعت عينيها إلى السقف، وهمست:
— يا رب، كما أخرجته سالمًا، فأخرجه في عمره كله إلى مرضاتك.
ثم ضمته إلى صدرها، وبكت بكاءً طويلًا هادئًا، لا يشبه بكاء الفقد القديم، بل يشبه بكاء من رأى يد الله تكتب فوق وجعه كلمة: تمّ.