الجزء السابع: المدينة تستردُّ سرَّها

الفصل الثالث والستون: آخر السقوط

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل الثالث والستون: آخر السقوط

وفي القرية، قبل ولادة عبدالملك بقليل، جاء الفصل الأخير من فصول السقوط.

كان العجوز قد صار محاصرًا.
الابن الأكبر يتوعده.
الأخت الكبرى لم تعد تثق به بل تحمل له كراهيةً متأخرة، لأنها بدأت تدرك أنه لم يكن زوجًا فقط، بل خرّب أمومتها وبيتها واسمها.
الابنة اشتعلت النار في قلبها قبل أن تشتعل وتشوه الجسد.
زوج سارة السابق صار يتجول كالذئب الجريح.
وأمّه تنهش من بقي بكلامها.
وبقية أبناء العم وزوجات الإخوة توزعوا بين خائفٍ وطامعٍ وناجٍ بنفسه.

في ليلةٍ سوداء، اجتمع بعضهم في مزرعةٍ بعيدة لاقتسام ما بقي، ولتقرير كيف ينجون من التهديدات المتبادلة.
لكن الاجتماع الذي بُني على الطمع لا يخرج منه عدل.

قال الابن الأكبر:
— إمّا أن نتقاسم الآن، أو أكشف كل شيء.
وقال زوج صفية السابق:
— اكشف ما شئت، وأنا قبلك أكشفك.
وقالت أمّه:
— أنتم جميعًا جبناء.
وقال أحد أبناء العم:
— اقسموا المال او ساخذ نصيبي بطريقتي.

ثم تحولت الكلمات إلى اشتباك.
دفع.
صياح.
تهديد.
واستُلّ سلاح.
ولا أحد يعرف من بدأ الضرب أولًا، لكن المؤكد أن الليل خرج من تلك المزرعة وهو يحمل نهايات كثيرة دفعةً واحدة.

قُتل اثنان في الشجار.
وأصيب ثالث إصابةً مات منها لاحقًا.
وفرّ رابع بسيارته مذعورًا، فاصطدم عند منعطفٍ بعيد ومات قبل الفجر.
وأما زوج صفية السابق، فقد خرج جريحًا يترنح، ثم وجدوه بعد يومين في بئرٍ مهجور عند طرف الأرض، لا يُدرى أوقع أم دُفع، لكن أحدًا لم يتأسف عليه تأسف المحبين.

وبقيت الأخت الكبرى والعجوز وأمّ الزوج السابق ومن بقي من النساء وبعض الرجال في آخر أطراف السقوط.

عادت الأخت الكبرى إلى بيتها، وقد رأت أبناءها يتساقطون، وشركاءها يتبددون، والسر الذي بنت عليه حياتها يتحول إلى رماد.
وصارت تسمع في الليل أصواتًا.
وتنتفض إذا سُمع اسم صفية.
وترى طفلةً صغيرةً بعينين صافيتين تقف عند باب الغرفة ثم تختفي.
وهذا الجنون لم يكن جنونًا خالصًا من المرض فقط، بل كان حصيلة عمرٍ من القذارة اجتمع في رأس امرأةٍ لم يعد فيه متسعٌ لاحتمال نفسه.

أما العجوز، فقد حاول أن يهرب.
أخذ ما خف من المال، وخرج ليلًا، وهو يتلفت كما يتلفت اللص إلى كل ظلّ.
لكن جسده لم يعد يسعفه كما كانت نفسه تأمره.
سقط في طريقٍ موحش، وتخلى عنه من كان حوله، ومات هناك وحيدًا مذعورًا، لا عصاه أنقذته، ولا حيلته، ولا تلك المهابة السوداء التي كان يزرعها في الضعفاء.

وبقيت الأخت الكبرى أيامًا قليلة بعده، بين هذيانٍ وبكاءٍ وصمتٍ ممزق، ثم ماتت في بيتها اختناقًا بعد حريقٍ صغير شبّ في ناحية منه، ولم ينتبه له أحد إلا متأخرًا.
أما أم الزوج السابق، فماتت بعدها بقليل في عزلةٍ مرة، بعدما هجرها ولدها بالموت، وهجرها الناس وهي حيّة.

وهكذا، قبل أن يصرخ عبدالملك صرخته الأولى في الدنيا، كان الستة عشر قد انتهوا جميعًا:
منهم من قُتل،
ومنهم من احترق،
ومنهم من اختنق،
ومنهم من جُنّ ثم مات،
ومنهم من دفنه الذعر قبل أن يدفنه التراب.

ولم يبقَ منهم أحدٌ يشهد ولادة الطفل الذي قضوا عمرهم يحاولون قطع الطريق إليه.