الفصل الستون: الجنون
أما ابنه العم التي خرجت من الغرفة المحترقة حيّةً، لكنها محمّلةً بالدخان والذعر، فقد كانت إحدى بنات العم اللواتي طالما تحركن بين البيوت بألسنةٍ مزدوجة.
امرأة تبتسم في الوجوه، ثم تنقل الكلام، ثم تزيد عليه، ثم تستلذ بأثر الشك إذا دبّ بين القلوب.
خرجت من النار وقد بقي جسدها، لكن عقلها لم يبقَ سالمًا.
في الأيام الأولى، ظنوا أنها مصدومة فقط.
كانت تحدق طويلًا في الفراغ، وتنتفض إذا سُمعت في البيت حركة مفاجئة.
ثم بدأت تهمس بأسماء.
ثم راحت، في الليالي، تصرخ:
— ليس أنا… ليست أنا… الأثر دفنته هي… الطعام سممته هي… العجوز قال… الأخت فعلت…
وكانت كل ليلة تكشف اسمًا جديدًا، وقطعةً جديدة من الفضيحة.
حتى صار أهل البيت أنفسهم يخافون نومها ويخافون يقظتها، لأنها تحولت إلى شاهد غير منضبط، ينطق بالسر بلا حساب.
ثم ازداد بها الأمر، فصارت ترى ظلالًا، وتشير إلى الزوايا قائلةً إن وجوهًا تخرج منها.
وتخاف أن تأكل.
وتبكي إذا رأت الماء.
وتقول إن هناك طفلةً تنظر إليها من آخر الغرفة.
طفلةً جميلة لا تتكلم، لكن عينيها تتهمانها.
ولم يطل بها الحال.
فبعد أيامٍ من الهذيان والاضطراب، ماتت على سريرها، بعد أن مزقت بكلامها ما بقي من روابط الخوف بين أهل الشر.
وكان موتها أقسى عليهم من موت الرجل المختنق؛ لأن الرجل مات وسكت، أما هي فماتت بعد أن تحدثت.